كانت لافتة تدوينة وزير خارجية الجزائر، بوقادوم، والتي عمد فيها إلى تحريف مضمون مكالمته مع وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، التي ادعى فيها أنه ناقش معه نزاع الصحراء “الغربية” بشكل يناقض الأعراف الدبلوماسية وأخلاقيات عملها، لتخرج تدوينة الخارجية الأمريكية وبيان سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بالجزائر، لتوضيح طبيعة المواضيع التي نوقشت بينهما، وكانت منطقة الساحل واحدة من هذه المواضيع، هذه المنطقة التي زيفها وزير خارجية الجزائر ليحولها لمنطقة الصحراء كما زيف نظامه هوية إبراهيم غالي ليضمن إفلاته من العقاب، وهو توضيح جاء ليقطع الطريق على النظام الجزائري الذي حاول التشويش على علاقة المغرب بالولايات المتحدة الأمريكية، التي تمضي قدما بهدوء نحو تكريس شراكة حقيقية يتداخل فيها السلام بالمنطقة بالأمن، بدعم الحكم الذاتي، وبمحاربة الإرهاب.. هذا ما كشفته المكالمة التي أجراها وزير الخارجية الأمريكي مع نظيره المغربي والتي تأتي قبيل حضور هذا الأخير للاجتماع الهام مع اللجنة الأمريكية للشؤون العامة الإسرائيلية “أيباك” في 6 ماي المقبل، حيث سيكون الأمر عبارة عن حوار سيجرى بين مختلف الأطراف التي ينتظر أن تناقش مختلف القضايا ذات الاهتمامات الإقليمية والوطنية المشتركة من السلام في الشرق الأوسط ودور المغرب الكبير فيه، إلى القضايا الحيوية التي تهم المغرب، على رأسها القضية الوطنية، والرهانات الاقتصادية المشتركة في المنطقة.
تساهم بعض المعطيات والمحددات الأساسية في تكريس تراكم هادئ بين الإدارة الأمريكية الجديدة والمغرب، والتي تتقدم خطوة بخطوة وبحوار دائم قد يكون بعضه غير علني من أجل توضيح مختلف المواقف التي قد تثار حولها بعض الأسئلة، خاصة في ظل صدور بعض التقارير التي قد تكون غير دقيقة تحاول دفع المغرب لاتخاذ موقف انفعالي، وهو ما ظل المغرب دبلوماسيا يتفادى الوقوع فيه، ويفضح بالمقابل كل هذه المناورات، آخرها تدوينة وزير خارجية الجزائر، الذي أراد التشويش على الاتصال الذي سيجرى بين بلينكن وبوريطة، والتي جاءت بعد يوم واحد من توضيح الخارجية الأمريكية الذي قطع الطريق فيها على بوقادوم وعلى كل من يراهنون على إحداث أي توتر في العلاقة بين البلدين.
فما الذي دار بين بوريطة وبلينكن؟
المكالمة التي جرت، جاءت أولا بعد أيام قليلة من جلسة مجلس الأمن المغلقة التقنية، التي قدمت فيها إحاطة حول التقدم الميداني والسياسي علاقة بنزاع الصحراء ودعم مختلف الدول الأعضاء الخمسة عشر بمجلس الأمن للأمين العام للأمم المتحدة، لمجهوداته التي تهدف لإحداث تقدم في العملية السياسية التي ظل المغرب ملتزما بها، ودعمه في تعيين مبعوث جديد للمنطقة بعد تعثر تعيين كل من رئيس الوزراء ووزير الخارجية الروماني الأسبق، بيتري رومان، ووزير الخارجية البرتغالي السابق، لويس أمادو، حيث اعترضت عليهما الجزائر ورفضت تعيينهما، لأنها لا تنظر بعين الرضى لفكرة استئناف المباحثات السياسية، خاصة في ظل الموقف الأمريكي الجديد من النزاع، وهو ما جعل الإدارة الأمريكية تقتنع بضرورة العمل على تعيين مبعوث جديد مع المغرب، لأنها تنظر إليه كطرف جدي في هذا النزاع ويمكن الرهان عليه للمضي قدما سياسيا في الملف عكس النظام الجزائري الذي أصبح بعد انهيار دعايته الإعلامية القوية التي خاضها لإقناع المنتظم الدولي بانهيار المسلسل السياسي وعودة المنطقة للنزاع المسلح.
مكالمة بلينكن مع بوريطة، لم تكتف بالتأكيد على العمل مع المغرب لتعيين مبعوث جديد، حسب تقارير إعلامية أمريكية موثوقة، بل اتجهت نحو تأكيد هذا الأخير على أنه ليس هناك أي تغيير في الموقف الأمريكي تجاه مغربية الصحراء، ولن يكون هناك أي تراجع عن الموقف الداعم لمغربية الصحراء، بل يمكن القول إن القضايا التي تضمنها بيان وزارة الخارجية الأمريكية، قد تكون أرضية قوية لتكريس هذا الموقف باعتباره موقفا استراتيجيا داخل الإدارة الأمريكية بغض النظر عن الحزب الحاكم، أرضية مرتبطة، حسب مضمون المكالمة بـ:
– قضايا “السلم والأمن والازدهار في المنطقة”، حيث أشاد وزير الخارجية الأمريكي بالدور الحاسم للمغرب في النزاع الليبي الذي احتضن المغرب الحوار الليبي-الليبي واستطاع تقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف المتصارعة، كما أكد الوزير على الدور المغربي في الساحل، هذا الساحل الذي يعيش وضعا مقلقا تتزايد حدته بتنامي التهديدات الإرهابية وتحوله لبؤرة خطيرة تهدد المنطقة ككل، وتأكيد بلينكن على الدور الحاسم للمغرب في الساحل هو اعتراف بالدور المغربي في محاربة الإرهاب وأهمية الحضور المغربي ضمن الدول الخمس الرائدة في محاربة الإرهاب، وعنصر استقرار في المنطقة، وهنا يتداخل نزاع الصحراء مع الوضع في الساحل، باعتباره واحدا من النزاعات التي حولت مخيمات تندوف لخلفية داعمة للإرهاب خاصة بالعنصر البشري في ظل تزايد حالة اليأس والإحباط داخلها، حسب تقارير أممية رسمية.
– في المكالمة، تمت الإشادة بالإصلاحات السياسية المؤسساتية التي قام بها العاهل المغربي محمد السادس منذ اعتلائه العرش، حيث كان لافتا أن تتضمن المكالمة، حسب بيان الخارجية الأمريكية، هذه الإشارة، أخذا بعين الاعتبار أن المغرب ظل يقوم بإصلاحاته الحقوقية والسياسية بفضل إرادته الداخلية الحرة، ولم تكن ناتجة عن ضغط خارجي كما هو الحال في عدة بلدان، وهو ما دفع بلينكن إلى التنويه بهذه الإصلاحات والتنويه بملك المغرب، وتشجيعه على الاستمرار في هذا المسلسل الإصلاحي الذي يقوده محمد السادس، مشيدا بجو الاستثمار الذي خلقه المغرب خاصة على مستوى الطاقات المتجددة، مشجعا المغرب على “المساعدة في تعزيز النمو الاقتصادي الأخضر بإفريقيا والتنمية في إفريقيا”، مما يبرز رؤية أمريكا بشأن الدور المغربي إفريقيا، بصفته المدخل الاقتصادي والسياسي نحو هذه القارة، ويجعل رهان الولايات المتحدة على المغرب في هذا الباب، رهانا كبيرا ويقوي من الشراكة بينهما.
– المكالمة جاءت في توقيت جد مهم، توقيت أجاب فيه عن كل التكهنات التي كانت تتحدث عن وجود أزمة في العلاقة بين البلدين، لتغلق بذلك باب السيناريوهات حول احتمال تغيير الولايات المتحدة لموقفها تجاه مغربية الصحراء، الذي أصبح موقفا ثابتا لا مجال لمراجعته، لأن الإدارة الأمريكية تعي أهمية المغرب في المنطقة على عدة مستويات، وتعي جيدا أنه قرار لم يكن معزولا، بل كان بفعل الدور التاريخي الذي مازال قائما للمغرب في السلام بالشرق الأوسط، وقوة الدبلوماسية التي يقودها محمد السادس، مما جعلها توقع إعلانا للسلام ثلاثيا تكون جزء منه ومن تفاهماته، وليس ثنائيا بين المغرب وإسرائيل.