الرأي

الرأي | الشباب.. لماذا يطعمون البحار بأجسادهم ؟

بقلم: رقية أشمال

    ما يحدث من إقبال على المغامرة بالحياة لأجل الحياة في صفوف الشباب في وقائع متكررة تستدعي أكثر من سؤال وتقدم ما يفوق ذلك من تفسيرات، لعل أهمها:

أولا: خيبتهم من تنامي ظواهر الإفلات من الحساب وما يقابله من تنامي ارتفاع فواتير الاستهلاك بكل أشكالها بما يعمق الإحباط واليأس؛

ثانيا: جوع الحاجيات الأساسية وما ينتج عن ذلك من إحساس بـ”أنيميا المواطنة”؛ أي فقر يصل إلى مستويات حساسة في الوجدان، فيترسخ لدى الأفراد الإحساس بالظلم والحرمان ويضعف رابطة الانتماء والولاء للوطن؛

ثالثا: استياء تام من مظاهر التهميش والإقصاء وتواتر اتساع مساحات المظالم الاجتماعية والاقتصادية جراء انعدام تكافؤ الفرص والمساواة، مقابل اتساع دوائر القسوة على أقرانهم ممن يمتلكون مستوى أعلى في التعليم مقارنة بهم، تنضاف إلى ذلك جرأة هؤلاء في التعبير عن مطالبهم، وما أسفرت عنه هذه القسوة من تداعيات أوصلتهم للمس بالكرامة النفسية والجسدية، ولسلب الحرية؛

رابعا: انتقالهم من حالة فقدان الثقة في المؤسسات الرسمية والوسائط الديمقراطية، إلى حالة الاغتراب والسخط على واقعها وواقع انشغالها ببعضها عوض الانشغال بهموم المواطنين؛

وغيرها من الأسباب التي قصرت زاوية النظر عن استدراكها…

إلى أين نتوقع أن يتجه هؤلاء الشباب وقد وجدوا كل الأبواب موصدة ؟!

يقول هاتر آدم الثاني، في معرض حديثه عن جبر الفجوة بين المواطن والدولة، في كتابه “The state in the 3rd millenium”: ((لا تسأل عما يمكن للمواطن أن يقدم للدولة، بل عما تستطيع الدولة أن تقدم لمواطنيها أكثر مما تقدمه أي منظمة أخرى)).

وهو من جملة ما يرمي بجيوش من الشباب ليس فقط في عرض البحار، بل من ظفر بالوصول إلى الضفة الأخرى، يسهل تعبئته للارتماء في أحضان “الدواعش” كتجل للذوبان في الرد المتطرف العنيف على ما شعر به قبلا من تعنيف نفسي ووجداني وواقعي..

حدد أدا فانفيتر في كتابه “أبعاد الاغتراب السياسي”

(Dimension of political Alination)، أربعة أبعاد سياسية لظاهرة الاغتراب السياسي والاجتماعي:

– انعدام القدرة، بمعنى شعور الفرد أنه لا يستطيع التأثير في المجتمع أو على قرارات الحكومة، وبأن القرارات السياسية تتخذ بدون الحاجة لرأيه أو مراعاة لرغباته، وأن توزيع السلطة للقيم والمصالح في المجتمع، عملية لا تخضع لأي تأثير من ناحيته.

– انعدام المعنى، بمعنى انعدام القدرة على فهم الطريقة التي يسير بها النظام السياسي والاجتماعي، وعدم قدرة الأفراد على التمييز بين البدائل والاختيارات المطروحة، لأن الفرد لا يستطيع توقع نتائجها المحتملة، نظرا لعمليات التعتيم ونقص الشفافية، ولا يمكنه استخدامها في تغيير الظروف الاجتماعية والسياسية من حوله.

– انعدام المعايير أو اللامعيارية، بمعنى إدراك انهيار المعايير في العلاقات الاجتماعية والسياسية والشعور بعدم وجود قيم أو معايير أخلاقية واحدة تحكم العملية السياسية.

– العزلة السياسية، بمعنى رفض قواعد السلوك الراهنة، والشعور أن قواعد اللعبة غير عادلة وغير شريفة، وهو ما ينتج حالة من العزوف عن المشاركة بجميع أشكالها.

ويمكن الحديث عن بعدين آخرين، ويتعلق الأمر باللامبالاة السياسية، ويقصد بها عدم الاهتمام بالمشاركة السياسية، مع السعي للتعرف على معلومات ذات صلة بالشأن السياسي، والوسواس القهري السياسي، وهو وضعية النفس بين الشك وعدم الثقة السياسية في أهداف القائمين على العملية السياسية، وبأنهم يسعون إلى خدمة مصالحهم الخاصة لا مصالح الأغلبية.

لست متيقنة هل هنالك من حكام حكماء بهذا الوطن لوقف النزيف، وإنما أنا على يقين أن الذي يفضل إطعام أسماك البحر من لحمه ودمه، قادر أن يطعم حشائش النيران، أيا كانت دلالاتها ضدا في الوطن، وأينما هبت لتأتي على الأخضر واليابس مما تبقى من مساحات الأمل للإصلاح في البلد !

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى