الرأي

الرأي | هل سيتضرر حزب العدالة والتنمية من “القاسم الانتخابي” ؟

بقلم: عبد الرحيم العلام

    بناء على نتائج انتخابات 2016 (واكبناها بمؤلف جماعي عنوانه: تشريعيات 2016 بين إنعاش الآمال وتكريس الإحباطات: قراءة في النتائج والتداعيات)، احتل حزب العدالة والتنمية المرتبة الأولى متبوعا بحزب الأصالة والمعاصرة بفارق كبير عن باقي الأحزاب، وقد استطاع هذان الحزبان أن يفوزا في العديد من الدوائر بأكثر من مقعد (فاز العدالة والتنمية في المدن الكبرى: مراكش، البيضاء، الرباط، أكادير، فاس، وجدة، المحمدية، طنجة، تطوان وغيرها، بينما فاز الأصالة والمعاصرة في القرى والمدن الصغرى)، ولأن حزب العدالة والتنمية ليس لديه امتداد كبير في القرى والمدن الصغرى، فإنه يعتقد أن القاسم الانتخابي على أساس المسجلين سيحرمه من تحقيق انتصارات كبرى في المدن على غرار سنة 2016، وذلك كونه يمنعه من الحصول على مقعدين في الدوائر التي لديه فيها نفوذ.

إذا كانت هذه هي الحيثيات، فإنه لا بد من تسجيل أن الأحزاب المغربية تقوم بعملية يمكن أن نطلق عليها “إنكار الواقع”، فحزب العدالة والتنمية حاسم أمره بأنه سيحقق نفس النتائج السابقة، بينما تدخل الأحزاب المناوئة له غمار الانتخابات بنفسية المنهزم، لأنها منذ الآن تعطي للعدالة والتنمية المرتبة الأولى، وتحاول أن تقلل من فوزه من خلال اللجوء إلى تعديل القاسم الانتخابي، على الأقل حتى لا يكون انتصاره كاسحا، والحال أن عملية إنكار الواقع هذه، تعيد بعثرة الحسابات السياسية، لأنه لا “البيجيدي” لديه من الإحصائيات أو المؤشرات ما يؤكد استمراره في اكتساح المدن الكبرى، ولا الأحزاب المتنافسة معه لديها من الحنكة السياسية ما يمنعها من التسليم له بالتفوق، وهذا ما يزيد في أسهم “المصباح” ويسحب من شعبيتها.

وليست هذه هي المرة الأولى التي تمنح فيها الأحزاب والدولة جرعات حياة إضافية لحزب العدالة والتنمية، فهو كلما أوشك على النزول من مقدمة الترتيب إلا وتدخلت ممارسات معينة تعيده إلى الأضواء مباشرة قبل الانتخابات بأيام، وهذا ما حدث قبل انتخابات 2016، لا سيما مع المسيرة الشهيرة التي كانت بالدار البيضاء والتي يطلق عليها “مسيرة ولد زروال”، علما أن “البيجيدي” لن يستفيد من هذه الجرعات السياسية فقط، وإنما أيضا من القاسم الانتخابي على أساس المسجلين أيضا، وتفصيل ذلك في الفقرة الموالية.

بالكثير من التحليل المبني على المؤشرات والقليل فقط من المعطيات في غياب استطلاعات الرأي، يمكن القول إنه ليس هناك ما يفيد أن العدالة والتنمية سيفوز في جميع الدوائر التي حقق فيها انتصارات الانتخابات السابقة، وإذا فاز فيها، فإنه لا مؤشرات تقول بأنه سيفوز بجميع الدوائر مثلا في مراكش والبيضاء والرباط وطنجة وفاس… وحتى إذا فاز في جميع هذه الدوائر، فإنه فقد القوة التي تجعله يفوز بمقعدين أو ثلاثة عن نفس الدائرة كما حدث سنة 2016، لأن الحزب فقد من شعبيته الكثير، نتيجة عديد القرارات التي اتخذها خلال السنوات السابقة، مما يدفع للاستنتاج أن مجموعة من العاطفين عليه قد نزلوا من سفينته الانتخابية، كما يرجح أنه بدأ يضيع أيضا حاضنته الأساسية المتمثلة في الأوساط المحافظة لا سيما في ظل توقيع أمينه العام الحالي لقرار التطبيع مع إسرائيل، وموافقة الحكومة على تقنين القنب الهندي، إضافة إلى الصراعات الداخلية، وفقدان قوته الضاربة المتمثلة في أمينه العام السابق عبد الإله بن كيران (ربما لم يكن في مقدور الأمين العام الحالي الفوز بمقعده في غياب استعانته بابن كيران الذي أطر له مهرجانا انتخابيا كبيرا في مدينة المحمدية).

التحليل أعلاه، أفادنا من حيث أن القاسم الانتخابي قد يكون أنقذ “المصباح” من سقوط انتخابي كبير، وهذا ربما لم ينتبه له الحزب نفسه بسبب “إنكاره للواقع”، وأيضا لم تنتبه له الأحزاب المدافعة عن هذا القاسم، ولتفسير ذلك، ينبغي أن نعود إلى نتائج الانتخابات السابقة، حيث إن الحزب لم يفز في عشرات الدوائر التي ترشح فيها، كون منافسيه كانوا أقوى منه، لكن الفاصل الذي حال بين مرشحيه وبين الفوز كان ضئيلا، وغالبا ما كان السبب هو أن منافسه فاز بالمقعد الثاني لأن “أكبر بقيته” كانت أعلى من نتيجة مرشح الحزب، الأمر الذي سيستفيد منه “البيجيدي” في الانتخابات القادمة إذا ما أجازت المحكمة الدستورية القانون، لأن مرشحيه قد ينجحون في جميع الدوائر (من الوارد أن الحزب سيغطي كل الدوائر)، وسيعوض خسارة المقعد الثاني في بعض الدوائر بالحصول على مقعد في دوائر كان سيفقدها أو التي لم يفز فيها سابقا، بمعنى أنه قد يفقد مقاعد في النتيجة العامة، لكن ذلك لن يحول دون حصوله على مرتبة أولى تمنحه حق تكليفه بتشكيل الحكومة.

وتجدر الإشارة إلى أن قوة حزب العدالة والتنمية ليست من داخله في جميع الأحوال، بل من خارجه، فلولا الضعف الذي تعاني منه الأحزاب المتنافسة معه، لما استطاع الفوز عليها، حيث يشبه الأمر نزالا في ميدان الملاكمة، يشارك فيه طرفان: الأول ضعيف وهزيل، بينما الثاني أضعف منه، لذلك سيُسوّق انتصار الضعيف على أنه انتصار، والحال أنه انتصار الضعيف على من هو أضعف منه، لذا أمكن القول أن العدالة والتنمية وباقي الأحزاب تستفيد فقط من عزوف المواطنين عن المشاركة السياسية لأسباب متعددة (لا داعي لذكرها الآن)، فلو فتحت اللعبة السياسية وتدمقرطت لربما رأينا فاعلين جدد ضمنها، وأضيفت لها دماء جديدة تنقذها من رتابتها وتيهها.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى