الرأي

الرأي | ما فائدة تقارير المجلس الأعلى للحسابات ؟

بقلم: عادل بن الحبيب

    إدريس جطو، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات في كل سنة بمناسبة مناقشة القانون المالي، كان يطرح هذا التساؤل: لماذا لا يتم الاهتمام بتقارير مجلس الحسابات؟ ويؤكد لامبالاة الحكومة والبرلمان بالتقارير التي ينجزها سنويا، ويؤكد على أنها لا تؤخذ بعین الاعتبار وتمر دون مناقشتھا أو الاشتغال علیھا رغم أنها تقاریر مھمة تبرز النواقص والاختلالات في القطاعات التي یتم افتحاصھا ومراقبتھا.

فرغم الأهمية التي تكتسيها هذه التقارير، فإن هناك قصورا في النصوص القانونية المتعلقة بإحالة هذه الملفات على القضاء، وتحريك المتابعة القضائية في حق المتورطين، وكذا، محدودية الرقابة التي يمارسها قضاة هذه المحاكم لعدم توفرها على قوة الردع، ما كرس نهب المال العام وسوء التدبير وتبذير الأموال العمومية، لذلك يبقى التساؤل مشروعا حول مصير تقارير المجلس، وخاصة منها تلك المحالة على وزارة العدل والحريات.

التقارير المنجزة سنويا هي وثائق إدارية وصفية، تعنى بإعطاء نظرة عن العمل التدقيقي والرقابي الذي قام به المجلس، يضع فيها أهم مستنتجاته وملاحظاته حول المرافق العمومية التي قام بافتحاصها، وحول الأحزاب السياسية مع إبداء رأيه حول الوضعية المالية العامة وعلى الأداء التدبيري لجهاز الدولة عموما، وليس له أي إلزامية قانونية أو قيمة معيارية قضائية، غير أن الإشكال يكمن في أن المجلس الأعلى للحسابات ليس جهة قضائية مكلفة بتتبع الجريمة المالية أو الاقتصادية، وإنما بإمكانه إحالة النظر فقط وليس المتابعة، وبينهما فرق كبير، لكن على رئيس النيابة العامة اتخاذ القرار في المتابعة أو عدم المتابعة في حال وجود شبهة أو عمل جرمي يستحق عقوبة جنائية، حسب ما يراه ملائما سياسيا، وهنا يصبح “القضائي الرقابي”، إن صح التعبير، تحت وصاية السياسي وتحت وصاية الجهاز التنفيذي للدولة عكس التجربة الفرنسية وعكس معظم التجارب الأوروبية التي متعت النيابة العامة لدى المحاكم المالية باللجوء مباشرة للقضاء العادي لمتابعة المشتبه فيهم جنائيا بارتكاب جرم ذي طابع مالي عمومي، وما زال الجدل قائما حول مصير الملفات الواردة في التقرير، والتي تتطلب متابعة جنائية، وهو ما يطرح إشكال حدود التماس بين الحكومة والقضاء في إحالة ملفات قضاة المجلس الأعلى للحسابات، وبين الجدل المطروح حول حدود العلاقة بين السلطتين القضائية والتنفيذية في التعامل مع تقارير المجلس الأعلى للحسابات.

يرى بعض المهتمين بشؤون المجلس، أن وجوده كعدمه، لأنه غير ملزم بتقديم نسخة من تقاريره للقضاء عند كل افتحاص، فقضاة المجلس يسهرون على ضبط الحسابات والهفوات ويكشفون فساد المسؤولين وإهدارهم للمال العام، ثم يوثقون كل تلك الانتهاكات في تقارير يتم إرسالها للوزارات المعنية، وبمجرد وصولها لمكاتب الوزراء، يطويها النسيان والإهمال، والتقارير التي تنجزها المؤسسات المكلفة بالمراقبة والتفتيش، وكذلك اللجان البرلمانية لا تصلح لشيء، فهي تقوم بمهمة واحدة غاية في الأهمية، وهي امتصاص الغضب الشعبي والعمل على مرور الحدث ونسيانه من طرف الجميع.

صحيح أن تقارير المجلس الأعلى للحسابات تسببت في إعفاءات بالجملة في صفوف أكثر من مسؤول، وفي العديد من القطاعات الوزارية، لكن في المقابل، تبقى التقارير حبرا على ورق، ودون تفعيل ما لم تتم إحالتها على القضاء، وإذا كانت تقارير المجلس الأعلى للحسابات تحظى سنويا باهتمام ومتابعة إعلامية واسعة، وما تترتب عن ذلك من محاسبة سياسية تحت قبة البرلمان، فإنها للأسف لا تفعل على مستوى المحاكمة الجنائية في المحاكم المختصة بجرائم الأموال. وكان المؤمل بعد الإعلان عن ولادة هذه الآلية الخاصة بمراقبة المالية العمومية، أن تكون أداة من أدوات المحاسبة الحقيقية، وليس الاكتفاء بالتخويف وزرع الرعب في النفوس لبعض الأيام.

لقد حصر الدستور مهمة المجلس الأعلى للحسابات في مجرد وصف الاختلالات التي يرصدها، بعد مراقبة طرق وأوجه صرف المال العام، دون أن يربط ذلك بتحريك المتابعات القضائية في وجه من صدرت في حقهم تقارير عن سوء التدبير أو الاختلاس، وهي المهمة التي لا تزال في يد القضاء والنيابة العامة، لكي يتم إضفاء الصبغة التنفيذية على تقارير المجلس الأعلى للحسابات، ومن تم فمسؤولية رئيس النيابة العامة، واردة في تفعيل مضامين التقارير الصادرة عن المجلس الذي يتكون من قضاة يمارسون مهاما قضائية، كما يتوفر المجلس الأعلى للحسابات، في تركيبته، على الوكيل العام للمجلس، المطالب هو الآخر بإحالة الملفات التي يتوفر عليها المجلس بشأن اختلالات في صرف المال العام، على وزير العدل، لتحريك مسطرة المتابعة. مثلما تتوفر المجالس الجهوية للحسابات على وكيل للملك لدى المجلس الجهوي، ينتظر أن يعرض الملفات التي يتوفر عليها على الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى للحسابات، لذلك، يجب توسيع اختصاصات المجلس وتمكين قضاته من القيام بمهامهم القضائية، على اعتبار أن حجم الأموال العامة التي يتم نهبها أو تبذيرها سنويا في كافة القطاعات والمؤسسات، تتطلب وجود مؤسسات قوية حتى تتمكن من وقف هذا النزيف الذي يؤثر بشكل مباشر وخطير على التنمية الاقتصادية والاجتماعية ببلادنا.

تتمة المقال تحت الإعلان

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى