الرئيس المغادر دونالد ترامب: “سأعود بطريقة أو بأخرى”.
الرئيس الجديد جوزيف بايدن: “يوم جديد يشرق على الولايات المتحدة”.
هكذا كان مشهد تسليم السلط بين ترامب وبايدن، هذا الأخير حرص على أن يكون حفل تنصيبه وفق التقاليد والأعراف السائدة في أمريكا منذ عدة عقود، وكانت أهم مشاهد هذا الاحتفال، أداء الرئيس المنتخب اليمين الدستوري ويده على إنجيل كاثوليكي تملكه أسرته منذ 130 عاما، فيما اكتفت نائبته كاميلا هاريس بأداء اليمين الدستوري برفع يدها اليمنى، كما أن الحفل لم يخل من الصلوات والتضرع إلى الله بأن يحمي أمريكا، ومن أجل ذلك، تم استدعاء بعض القساوسة، فقام الجميع للإنصات للصلوات، كما عرف الحفل أداء النشيد الوطني الأمريكي، فيما غاب الرئيس المنتهية ولايته في سابقة منذ إنشاء بلاد العم سام، وحضر أبرز الرؤساء السابقون كباراك أوباما وبوش وكلينتون، في حين غاب أكبر رئيس على قيد الحياة، جيمي كارتر. هذه هي أبرز معالم تنصيب استثنائي لرئيس يواجه مرحلة استثنائية.
ذهب الكثير من المحللين السياسيين إلى اعتبار أن الأحداث الأخيرة التي عرفتها أمريكا ستكون لها تداعيات خطيرة على الديمقراطية الأمريكية وعلى الوضع الداخلي، لكن بالعودة للتاريخ، يمكننا أن نعتقد غير ذلك، وأن نقر بأن أمريكا ستتجاوز أزمتها، وانقسامها الداخلي وفق الضوابط القانونية وتستمر كما كانت، لأنها تريد أن تُبقي على تفوقها وقيادتها للعالم مع محاصرة منافسيها، خاصة الصين وروسيا، لأن النظام الرأسمالي يملك ميكانيزمات داخلية لكي يتطور، وينسجم مع المرحلة لتجاوز الصعاب والأزمات. هذه القدرة على التأقلم هي التي مكنت أمريكا بنظامها الرأسمالي من تجاوز أزمة 1929، والأزمة المالية لسنة 1997، والأزمة الأخيرة في سنة 2007.
هذه القدرة على التأقلم مع الأزمات، هي التي ستجعل أمريكا قادرة على الخروج من أزمتها الديمقراطية وانشقاقها الداخلي، وربما بقوة أكبر، وبالتالي، فالرهان على أزمة داخلية لتقليص دور أمريكا عالميا وتراجع قوتها الدولية، هو رهان خاسر، والرهان الواقعي لحصر الدور العالمي الأمريكي، يكمن في صعود قوى عظمى جديدة قادرة على الوقوف بندية أمام عظمة أمريكا، فالرهان إذن، على تحجيم الدور الأمريكي في المنتظم الدولي هو بالأساس خارجي ولن يكون في الداخل الأمريكي، كالتنبؤ مثلا بحرب أهلية أو انشقاق حاد بين الشعب الأمريكي، أو رفض ترامب التخلي عن السلطة، وهو ما ذهبت إليه كثير من التحاليل قبل أن يتبين العكس.
على هذا الأساس، يمكننا القول أن إدارة جو بايدن ستواصل صراعها مع الصين، بل يمكننا أن نتوقع أن هذا الصراع سيزداد حدة وربما يصل إلى الاحتكاك العسكري، والسبب في ذلك ليس لأن الصين بلد شيوعي أو ينتمي للمعسكر الشرقي، وإنما لأن العالم يعيش في مخاض بين دولة صاعدة تحقق نسبة نمو أكبر من تلك التي تحققها أمريكا، وتسير بخطى سريعة وثابتة لتكون القوة الاقتصادية الأولى عالميا بينما أمريكا تندحر إلى المرتبة الثانية، ودولة عظمى ستفعل كل شيء من أجل أن تحافظ على ريادتها للعالم، علما أن الواقع الحالي يسير لصالح الصين التي استطاعت أن تحاصر وباء “كورونا”، فيما أمريكا دفعت الثمن غاليا نتيجة سوء تدبير الأزمة الصحية من قبل إدارة ترامب، وهو الأمر الذي ما لبث بايدن يكرره، لقناعته بخطورة الجائحة على مكانة أمريكا العالمية، إلى جانب هذا المعطى، نذكر بعض التوقعات التي تجعل الصين قادرة على تحقيق نسبة نمو قد تصل إلى 7 % خلال هذه السنة، فيما لا زال الاقتصاد الأمريكي يترنح نتيجة سوء تدبير الأزمة التي فرضها “كوفيد 19” من طرف الإدارة السابقة، وهو ما يعني تكريس الخط التصاعدي للصين كي تزيح أمريكا عن عرشها العالمي.
ولعل هذا الصراع مع الصين، سيكون البوصلة الرئيسية للسياسة الأمريكية في عهد جو بايدن، وهو ما سينعكس إيجابا على المغرب وعلى قضية وحدته الترابية، فإدارة الرئيس الجديد تعلم جيدا أن الصين تتغلغل بشكل كبير في عموم القارة الإفريقية، وحان الوقت لتتدخل أمريكا في هذه القارة بكل قوتها لتقليص الدور الصيني في القارة السمراء، كما أنها تدرك كذلك جيدا، أن المغرب هو البوابة الرئيسية لها للقيام بهذا الدور، لسببين اثنين:
السبب الأول: يتعلق بالعلاقات التاريخية التي تجمع المملكة بأمريكا، فالمغرب منذ الحرب الباردة كان محسوبا على المعسكر الغربي وخياره هذا خيار استراتيجي واضح وقار لم يتغير، على عكس ذلك، ستجد الجزائر نفسها في وضع معقد لا تحسد عليه، فهي منذ الحرب الباردة محسوبة على المعسكر الشرقي، وتعتمد في تسليحها على روسيا والصين، كما أنها من الناحية الدبلوماسية تتأرجح بين المعسكر الروسي وإقامة علاقات مع أمريكا هي في أمس الحاجة إليها ليكون لها موقع في الساحة الدولية.
السبب الثاني: هو ما أنجزه المغرب من استثمارات في كثير من الدول الإفريقية في المجال الاقتصادي والتعاون التجاري، وهذا عامل قوة يمكن أن تجعل منه أمريكا بايدن قاعدة انطلاقها نحو اختراق القارة الإفريقية ومحاصرة المد الصيني فيها، ولعل فتح قنصلية بأهداف اقتصادية في مدينة الداخلة، وإقامة واحد من أكبر الموانئ الإفريقية في هذه المدينة الواقعة في الصحراء المغربية، إضافة إلى الحديث عن قاعدة عسكرية في نفس المدينة، كلها عناوين لموقف أمريكي يريد حسم صراع وهمي، سيجعل الجزائر بين خيار تغيير دبلوماسيتها الخارجية وتغيير بوصلتها من المعسكر الشرقي باتجاه الغرب، لتفادي عزلة دولية، وبين البقاء على خياراتها المعادية للمغرب، وبالتالي المزيد من العزلة الدولية والانكسارات الدبلوماسية.