الرأي

الرأي | غرق الديمقراطية أم إفلاسها ؟

بقلم: عائشة العلوي

    في بيان مقتضب للبيت الأبيض، أدانت إدارة الرئيس المنتهية ولايته، الهجوم واعتبرت أن “أعمال العنف(…) في مبنى الكابيتول، كانت مروّعة ومستهجنة ومخالفة للقيم الأمريكية(…)”، وبعدها توالت الاستقالات والاستنكارات من مسؤولين كبار كان معظمهم من أتباع الرئيس، بل هناك من طالب بعزله حتى وإن بقيت أيام قليلة عن نهاية ولايته، كما أقدمت إحدى مواقع التواصل الاجتماعي بتجميد موقع الرئيس السابق رغم كونه رئيسا لأكبر قوة في العالم، مهددة إياه بإلغاء موقعه بشكل نهائي في حالة العود لتصريحاته التحريضية.

ما الذي أوصل الديمقراطية الأمريكية لهذا المشهد المروع؟ كيف تحولت الديمقراطية الأمريكية إلى آلة لإنتاج الشعبوية؟ ألم يسقط الرئيس المنتهية ولايته الحائط المهترئ الأخير للمؤسسات الديمقراطية بأمريكا بعدما تقوضت أعمدتها وأسسها منذ أمد بعيد؟ أليست هي محاولة لإفلاس الديمقراطية؟

رفض الرئيس المنتهية ولايته نتائج انتخاب الرئيس الجديد، وتوجيهه لخطاب صريح من أجل الخروج لإنقاذ الديمقراطية من منظوره الخاص ووفق مصالحه ورغباته. ألم يعلم بأن ممثل الشعب عليه دراسة أبعاد خطابه وتقييم أثرها اللحظي والبعدي، لأن خطابه مؤثر في المشهد الداخلي والعالمي، كما عليه أن يكون أول المنخرطين في كل القضايا الحساسة التي يعاني منها شعبه بما فيها معانقة آلامهم ومصائبهم؟ فما فعله رئيس أمريكا خلال الأزمة الوبائية خير مثال على أن الشعبوية يمكنها النجاح في الانتخابات، لكنها لا يمكن أن تكون حريصة على الرفاهية الفردية والجماعية، وعلى الديمقراطية.

النداء الذي أطلقه الرئيس الأمريكي السابق لأنصاره/أتباعه قبل الهجوم، يشبه في جوانب عديدة نداء أطلقه أحد الرؤساء في دول الجنوب، بعدما أحس بأن نهاية رئاسته أمر حتمي، غير أن الفرق يكمن في أن الثاني أصبح بلده ممزقا والكل في صراع لنهب خيراته، أما المواطنين فإنهم بين لاجئين وسلع نادرة في سوق الأعضاء البشرية والدعارة.

فإن لم تكن أمريكا قوة عظمى وقائدة الثالوث المسيطر في الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية، ألن تكون الآن تغرق في دماء أبناء شعبها، ويستعد المنتظم الدولي للتدخل لتنصيب الرئيس الجديد؟ ألن تكون تحت رحمة المتطرفين والإرهابيين الداخليين؟

أليس اقتحام مبنى الكابيتول عملا إرهابيا؟ فلماذا لم يطلق المسؤولون الأمريكيون والإعلام الأمريكي لقب الإرهابيين على من نفذوا الهجوم؟

إن ما وقع في أمريكا، وبعض الدول الأوروبية الأخرى، ولو بصور مختلفة، يدفعنا لطرح عدة أسئلة عن الديمقراطية: هل نحن أمام آخر فصول النموذج الديمقراطي الغربي؟ ألن تقتنع أمريكا وحلفاؤها أن فرض ديمقراطيتهم التي أنتجها محيطهم على دول أخرى لا يمكنها أن تنجح لأنها ستكون عقيمة وأكثر ضررا مما يمكن أن ينتجه المحيط الداخلي للدولة نفسها؟ ألا يمكن أن يكون فرض هيكل ونمط ديمقراطيتهم إحدى الأسباب القوية للنزاعات والصراعات في دول الجنوب؟

يلتقي هذا الحدث بما يقع في المغرب، فرغم تعدد واختلاف أسباب العطب الديمقراطي، يبقى نقاش غرق الديمقراطية سليما في كلتا الحالتين، فكلاهما يؤديان إلى محاولة إفلاسها ولو بطرق مختلفة.

المسؤول عندنا أقحم الماء إلى منازل المواطنين وأغرق ممتلكاتهم بعدما أغلق منافذ التجميع الضرورية لأمطار الغيث، فأقل ما يمكن أن يقال، أنه استهتار وتسيب يستدعي المحاسبة والمعاقبة لرد الاعتبار للمواطن ومنح الأمان اللازم لتقوية ثقته في المؤسسات، صحيح أن المسؤولية هي مشتركة ومتداخلة، تجمع المسؤولين الحاليين والسابقين، لكن لا بد من بدء الحساب والعقاب، ولابد من عدم الإفلات من العقاب.

في كل مرة، تتكرر المشاهد في المدن والدواوير والقرى وجبال الأطلس عن مياه وثلوج تقتحم المنازل وتغرق الممتلكات، لتغرق في كل مرة أملنا لبناء الديمقراطية في بلدنا.. مشاهد تؤلمنا، يختفي فيها المسؤولون ويتمنعون عن الكلام، لعل المطر ينتهي وتعود الشمس من جديد لتجفف المكان وتنسي المواطن وجعه وألمه، ويقول “عوضي على الله”، وبالتالي، فإقحام الماء إلى منازل المواطنين/ات وضياع ممتلكاتهم/هن، هو إغراق للديمقراطية…

مسؤوليات عديدة تنتظر ممثل المواطنين، فالتحديات العديدة والخطيرة الحالية لا ترحم البلد، ولا تقبل بالأخطاء الجسيمة، وإن كان الموظف أو العامل يعاقب بالطرد والعقاب عند كل خطأ جسيم في مؤسسة اقتصادية، فكيف يمكن قبولها في مؤسسة مهمة يجب أن تسهر على الصالح العام؟ كيف يمكن القبول بتعطيل مصالح المواطنين/ات لشهور وتجميد مشاريع تنموية محلية بدعوى أنه منافس انتخابي؟ كيف يمكن قبول بأشخاص يتنقلون بين الأحزاب فقط لضمان نجاحهم في الانتخابات، وهم يعيدون بذلك نفس النهج في التسيير، فاللوم كل اللوم ليس على المواطن المقهور المُبعد عن التصويت، بل كل اللوم في الهيكل الانتخابي الذي يجب إعادته لبناء ديمقراطي يعيد الثقة والأمل في الغد.. فليس كل من نجح في الانتخابات هو كفؤ من أجل تدبير الشأن العام.

تشويه الديمقراطية وجعلها مرتبطة بصناديق الاقتراع، يجرها إلى الغرق، وبدل إنقاذ البلد، فإنها تكون سببا في تحطيمه وتمزيقه، وقد أوقفت أمريكا النزيف قبل أن يصبح شلال دم لن يستطيع أحد إيقافه، لأنه وبكل بساطة، يمكن التحكم في إطلاق الحرب والأزمة، لكن لا يمكن التحكم في إيقافهما. نعم، استطاعت أمريكا احتواء الوضع قبل فوات الأوان رغم فشل الجهاز الأمني للتصدي للمتظاهرين ومنعهم من اقتحام مبنى الكابيتول، وهذا دليل على وجود مؤسسات قوية ومستقلة حتى وإن كان مشكل الديمقراطية هي ذاتها مشكل لهذه المؤسسات، ولولاها لنجح الرئيس المنتهية ولايته في تمزيق البلاد واندلاع حرب أهلية، أو لربما نجح في تغيير القانون الأمريكي ليصبح رئيسا مدى الحياة!

الديمقراطية تنتج من رحم النظام السياسي للبلد أخذا بعين الاعتبار كل الظروف والشروط السياسية والاقتصادية والثقافية الداخلية له، وكذا محيطه الخارجي، لذا لا يجب أن تبحث أي دولة عن نماذج هنا أو هناك، بل عليها أن تمنح لنفسها شروط التطور الداخلي لتراكم إيجابي في طريق بناء مؤسسات ديمقراطية تمكنها من بناء دولة قوية ومتماسكة ضد كل الأخطار والتربصات الإقليمية والجهوية والدولية.

البناء الديمقراطي مسلسل طويل الأمد، يكون غالبا في صراع بين تيارين قويين: الأول محافظ يخاف من التغيير، ربما لأن فيه إضعافا لسيطرته وتقليصا لأرباحه، والثاني واقعي مدافع عن التغيير، لأن فيه تلبية لمطالب الشعب، إذ يكون استعمال العنف والاعتقال وتقوية البوليس السياسي عند الأول هي السياسة الوحيدة التي يتقنها ويتفنن في صنعها، وغالبا ما يلتف حول القضايا والمطالب الشعبية بسن قوانين تخنقها لإتلافها، بيد أنها لا تختفي، بل تظل معلقة لتبرز من جديد في أشكال أكثر عنفا ودموية، ويكون استعمال منطق التغيير السلس والانتقال السلمي وتقوية الأحزاب عند الثاني، هي السياسة التي يريد تطبيقها، وذلك بالاقتراب من مطالب الشعب وتلبيتها، وتقوية المؤسسات.

تقوية المؤسسات طريق لبناء دولة قوية، تمكنها من الصمود في وجه الأخطار الداخلية والخارجية والغير متوقعة (الفيضانات، الأوبئة…)، حتى وإن كانت لرئيسها غالبية الأصوات المعبر عنها في الانتخابات، لأن أمور الوطن لا تقاس بعدد الأصوات والأتباع، فالوطن فوق الجميع، والمؤسسات تكون قادرة على محاسبة المسؤول إذا أخطأ وأضر بالصالح العام، لأن الضرر يكون جماعيا، ولا يمكن أن يغفر له ويرحل في أمان، ربما إلى مسؤولية أخرى، دون حساب، لأن المواطن حينها سيصرخ وينتفض، ويتضرر الوطن بعد ذلك.

تقوية ودمقرطة المؤسسات سبيل لرفع ثقة المواطن ودفعه للتعبير السياسي والانخراط في بناء الوطن، بيد أنه إذا أحس مع كل أزمة تحل به، أن هناك إفلاتا من العقاب ونجاة المسؤول(ة)، فإن غيظه يتنقل بين شبكات التواصل الاجتماعي وبين الأجيال، ليصبح بعدها فتيلا قابلا للاشتعال في أي لحظة، وسلاحا داخليا يمكن أن يطلقه العدو المتربص في أي لحظة.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى