الرأي

الرأي | قراءة في ولاء مائير بن شبات للملك محمد السادس

بقلم: لحسن الجيت

    تتبع جميع المغاربة على القنوات الرسمية وغيرها، الاستقبال الذي خصه الملك محمد السادس للوفد الأمريكي ـ الإسرائيلي الذي حل ببلادنا في زيارة ليست ككل الزيارات، بل كانت الحدث الذي استقطب اهتمام الكل على جميع المستويات وعلى المستوى الداخلي والإقليمي والدولي، ولم يكن كذلك هذا الاستقبال حدثا بروتوكوليا، بل حمل في طياته رسائل لها دلالاتها ترد على بعض الأسئلة، الغرض منها رفع أي التباس أو غموض يريد أن يفرضه المناوئون أو المتسللون بالشك في التوجه المغربي.

1) من جملة ما تميز به هذا الاستقبال وهو الولاء الذي أظهره مائير بن شبات، مستشار الأمن القومي لدولة لإسرائيل ورئيس هيئة أركان الأمن الإسرائيلي، وأحد أكبر رجالاتها، الذي حرص على أن يحول هذه المناسبة من حدث سياسي إلى حفل لتقديم فروض الولاء والطاعة إلى جلالة الملك من منطلق أن هذا الولاء يعبر بكل وضوح على أن اليهود المغاربة في كل أنحاء العالم ما زالوا على العهد وسيبقون كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ولذلك، حينما نقول إن المغرب ليس كباقي الدول في علاقته مع اليهود ومع إسرائيل، فلأن مائير بن شبات، الذي نسي أنه مسؤول كبير لدولة إسرائيل، أثبت اليوم بالدليل القاطع، أولا تمسكه بجذوره وأصوله، وثانيا على نوعية هذه العلاقة الروحية والوجدانية، وثالثا على خصوصية وتميز المغرب عن باقي الدول، فالمسألة إذن، أكبر من استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل.

المشهد بالنسبة للمغاربة كان واضحا وعلى البث المباشر، بشكل يثير فينا الافتخار والاعتزاز، فلن تجد أي مشهد في العالم بأسره يضاهي هذا المشهد الذي ردد فيه مسؤول كبير ولدولة أجنبية في حضرة الملك عبارة “الله يبارك في عمر سيدي” وأعادها “الله يطول في عمر سيدي”. إنه حفل الولاء وليس استقبالا على غرار الاستقبالات التي ألفناها مع الوفود التي تزور الملك.

بل إلى جانب ذلك، حرص مائير بن شبات أن تكون كل الكلمات التي ألقاها بالمناسبة بالدارجة المغربية، وهو ما يعني أن الرجل ما كان يهمه من هذه الزيارة كذلك، هو التأكيد على مدى انتمائه وحبه لوطنه الأصلي في زيارة تاريخية بكل المقاييس، وهي سابقة فريدة من نوعها لا يمكن تصورها إلا في سياق مغربي وحده ولا غير سواه، وهو سياق محكوم بروابط تاريخية وثقافية وروحية منها علاقة إمارة المؤمنين بكل أبناء الطوائف الدينية التي تربت وتعايشت على أرض المغرب، أرض القيم النبيلة ذات البعد الإنساني من التسامح والإقرار بجميع المكونات للهوية المغربية.

ولعل هذا المشهد البهيج كان خير ما يفقع عيون بعض الضالين الذين لا يعطون للكلمة حق قدرها، ويوزعون الاتهامات وهم في غفلة من أمرهم، من قبيل ما خرج به بعض المناهضين وما يعتقدونه وهم واهمون، بأن المسألة تتعلق بالتطبيع.

أي تطبيع هذا.. إنه حفل الولاء الذي نقلته إلينا القنوات الرسمية أو غيرها من القنوات الأخرى في الوطن وخارجه، فما قام به  مستشار الأمن القومي لدولة لإسرائيل، لا يعدو أن يكون ترجمة لتلك المشاعر التي عبر عنها مسؤولون إسرائيليون آخرون من أصل مغربي أو أبناء المغرب من الطائفة اليهودية في إسرائيل، الذين خرجوا ابتهاجا وهم يرددون أغاني المسيرة الخضراء في مدن أشدود وأشكلون وتل أبيب ومعهم رؤساء البلديات والحاخامات من أصول مغربية، رافعين دعواتهم إلى الله أن يحفظ سلطانهم على غرار ما عبر عنه اليوم مائير بن شبات أمام الملك في حفل الولاء.

كل ذلك يحدث، ويخرج واحد من أمثال أحمد ويحمان، ليطلق ترهات من قبيل أن أولئك اليهود تخلوا عن المغرب أو أن مشاعرهم أصبحت جزء من الماضي.

2) الحدث الثاني الذي تميز به هذا الاستقبال الملكي، هو حضور سعد الدين العثماني إلى جانب الملك، بصفته رئيسا للحكومة المغربية، وكذلك توليه مسؤولية التوقيع على البيان الثلاثي المشترك تحت الرعاية الملكية، وفي ذلك دلالات كبرى لهذا الحضور، ولهذا التوقيع، من بينها أن التوجه المغربي هو توجه يحظى بإجماع من طرف كل المؤسسات الدستورية في البلاد ملكا وحكومة وشعبا، والدلالة الثانية، تعني في ما تعنيه، وهي أن كل الحسابات الضيقة، حزبية كانت أو شخصية، تذوب وتنصهر في منطق الدولة ولا شيء يعلو على هذا المنطق. مصلحة البلاد والوطن فوق كل اعتبار سياسي أو حزبي، وما كان يراهن عليه أعداء الوطن بأن رئيس الحكومة ذي التوجه الإسلامي سيتلكأ، تبين أن رهانهم سقط كما سقطت من أيديهم أوراق أخرى، وتبين كذلك أن العثماني كان على موعد مع الحدث ومع الوطن وعلى مستوى كبير من الثقة التي وضعها فيه الملك.

وبموازاة مع الحدث، أكد عبد الإله بن كيران، رئيس الحكومة السابق والمسؤول البارز في حزب العدالة والتنمية، أن مصلحة الدولة فوق مصلحة الحزب، وكانت رسالته واضحة إلى أعضاء الحزب بالكف عن المزايدة على الدولة، داعيا في الوقت نفسه إلى تأييد خيارات الوطن التي قضت باستئناف العلاقات مع إسرائيل. ولوحظ أن بن كيران لم يستخدم مصطلح التطبيع كما جرى عليه العديد من “الإسلاميين” و”القوميين” الذين استوردوا مثل هذه المصطلحات التي دأب عليها قاموس ما كان يسمى بدول جبهة الصمود والتحدي.

وبذلك، يكون هذا الاستقبال محطة فاصلة في الكشف عن عدة حقائق في الخيارات الصائبة التي أقدمت عليها المملكة المغربية، منها الوفاء بالالتزامات والتقيد الحرفي بمضامين الإعلان المشترك، ثم التأكيد على الثوابت في السياسة الخارجية للمغرب بالوقوف على مسافة واحدة مع جميع الأطراف المعنية بقضية السلام في الشرق الأوسط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى