قال الله تعالى: ((وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا..)) غير أن طريقة التعارف اكتست في عهد النبي (ص) صبغة دينية اتسمت بالعنف والتشدد والاغتيال، مما اضطر نبينا المصطفى إلى الهجرة مع طائفة من صحابته المهاجرين بعدما تحملوا من الإساءات والمضايقات ما لا يطاق، ويكفي أن نذكر أن النبي (ص) تعرض لـ 19 محاولة اغتيال، لكن اليهود والكفار من قبائل قريش رفضوا كل محاولة للصلح والتعايش التي اقترحها عليهم النبي الأمي، وهو النهج الذي اختارته إسرائيل بعد تصريح بلفور واغتيال الكونط بيرنادوت، الذي كان من المنتظر أن يشرف على المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وكانت هذه المفاوضات تهدف إلى تقسيم فلسطين إلى دولتين مستقلتين تعيشان في أمن وأمان حسب الحدود التي رسمتها اتفاقيات 1948.
ومن المعروف أن الفلسطينيين رفضوا هذه الاتفاقية، كما رفضتها إسرائيل، ولو أن الفلسطينيين قبلوا ببنود الاتفاقية، لكانوا استفادوا من الناحية الجغرافية بجزء كبير من الأراضي المقترحة عليهم، وقد ندموا على ذلك، لأن الرئيس الراحل ياسر عرفات كان متشبعا ومقتنعا بفكرة التحرير الشامل، حيث ما لبث أن أعلن عن تأسيس دولة فلسطين من العاصمة الجزائرية، بينما إسرائيل تقوت عندما تخاذل العرب وتشتتوا، كما أنها تعتمد كليا على الولايات المتحدة التي تغدق عليها بجميع أنواع الأسلحة الفتاكة ومنها السلاح النووي.
وفي مقابل ذلك، تقوم إسرائيل بدور الدركي في الشرق الأوسط، الذي يزخر بالذهب الأسود الذي تحتاجه أمريكا، فكلما عبر أحد الرؤساء العرب عن رغبته في استقلال القرار كما فعل الملك الراحل فيصل، حين امتنع عن تزويد أمريكا مما تنتجه بلاده من بترول وهي تشكل أكبر خزان لهذه المادة الحيوية، وقد كان هذا الموقف يتسم بالشجاعة التي انفردت بها المملكة السعودية إلى جانب مصر دفاعا عن حقوق الشعب الفلسطيني لاسترجاع الأراضي المغتصبة بما فيها القدس الشريف، إلا وقامت أمريكا بتنزيل عقوبات اقتصادية على تلك الدولة، وهكذا تحولت الدول العربية المنتجة للبترول إلى مرتع خصب تستغله أمريكا كيفما تشاء، وكثير هي المحاولات التي قامت بها الدول الشقيقة والصديقة للدفع بالإسرائيليين والفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات، “اتفاق أوسلو” مثلا، ومما زاد الطين بلة، انقسام الفلسطينيين إلى أكثر من عشر منظمات تدعي كلها أنها تعمل من أجل هذا الهدف النبيل، بل وصل بها الأمر إلى الاقتتال بمنطقة غزة، وقتها، أيقنت إسرائيل أنه لا خوف من كل الانتفاضات التي تقوم بها هذه المنظمات، التي لا حول ولا قوة لها إلا استعمال الحجارة في مواجهة عدو مسلح، وهو أمر لا زال يهيمن على الوضع بفلسطين برئاسة محمود عباس.
وفي خضم هذه الظروف، تستمر إسرائيل في اغتيال نبغاء الأمة العربية والإسلامية، من بينهم أكبر عدو لإسرائيل، الجنرال الإيراني قاسم سليماني، كما تم مؤخرا اغتيال العالم الإيراني المتخصص في صناعة السلاح النووي، محسن فخري زادة.
والذين يتحدثون اليوم عن التطبيع مع دولة إسرائيل، ينسون أو يتناسون أن المرحوم الحسن الثاني، كان الأول من بين الرؤساء العرب الذي استدعى شمعون بيريز، إلى مدينة إفران، لتقريب وجهات النظر بين القيادة الفلسطينية وإسرائيل، وكم من محاولة فشلت في هذا المجال، نذكر منها اقتراح المملكة العربية السعودية الهادف إلى إنهاء الخلاف الإسرائيلي الفلسطيني بقيام دولتين، أما جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الإسلامية، فهما لا تعيران للقضية الفلسطينية الاهتمام والعناية التي تستحقها، وكأنهما سئمتا من المحاولات الفاشلة، وأيقنتا أن الوضع سيبقى على ما هو عليه إلى أن تكشف الولايات المتحدة عن نواياها الحقيقية كما فعلت بالنسبة لصحرائنا المغربية.
وفي غمرة هذه النشوة وهذا الانتصار السياسي على أعداء وحدتنا الترابية، لم يتردد ملكنا الهمام في الاتصال بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، ليؤكد له تأييد المغرب الدائم للقضية الفلسطينية، وهو موقف شجاع يناهض موقف بعض المسؤولين العرب، الذين لا يفتؤون عن تضبيع شعوبهم بمقولات وتصريحات تعتمد على شعار أن العدو لا يمكن أن يصبح صديقا، فالسياسة اليوم تعتمد على تبادل المصالح والنهوض باقتصادات البلدان حتى تتمكن الشعوب من العيش في أمن وسلام.