الرأي
مساحة حرة | مفهوم الحرية بين النظام الإسلامي والقانون الوضعي
بنية الدولة والتعسف في استعمال الحق

سبق الإسلام جميع الدساتير والمواثيق والقوانين الوضعية التي تتحدث عن حقوق الإنسان والحريات العامة والحريات الخاصة، وإنه من الصعب استعراض – في هذا البحث – جميع النواحي التي لها صلة بهذا الموضوع، ولذلك نكتفي بالإشارة إلى الحقوق والحريات التي أقرتها التشريعات الحديثة، كالحقوق والحريات التي تتعلق بالمعتقد والنفس والرأي والعمل وممارسة الحقوق الأساسية، من مساواة واختيار ومراقبة الحكم والحاكم، ونشدان العدالة بين أفراد المجتمع.
بقلم: د. عبد الرحيم بن سلامة *
معنى الحقوق والحريات :
– الحقوق: هي مجموعة امتيازات يتمتع بها الأفراد والمنظمات في مجتمع معين، وتعتبر حقا مكتسبا تضمنه الدساتير والأفراد والجماعات، وتسهر الدولة على المحافظة على هذه الامتيازات وعدم المس بها.
– الحرية: وجمعها حريات، ويعنى بها نفي سيطرة الغير، وهذا المعنى مأخوذ من المفهوم العام لكلمة الحرية من خلال النصوص الإسلامية، وكذلك من معنى القوانين الوضعية، وعرفها بعض الفقهاء بأنها “القدرة على التصرف بما لا يضر الآخرين”، ومن أقوال الإمام علي “ض”: “لا تكن عبدا لغيرك وقد خلقك الله حرا”، لأن الله تعالى خلق البشر أحرارا والإسلام جاء ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
قال الإمام عبده: “الإنسان عبد الله وحده، وسيد لكل شيء غيره”.
والحرية في الإسلام مرتبطة بالمساواة بين البشر كافة، لقول الخليفة أبي بكر الصديق “ض”: “ألا إن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ الحق له، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ الحق منه”.
إن إساءة استعمال هذا الحق بالحرية المفرطة، قد يخل بالنظام العام أو يتجاوز العرف الخلقي، وهذا ما يرفضه الواقع الديني والقانون الوضعي أيضا.
إن الانضباط بالتشريعات والقوانين، هو الذي يجعل الحرية لا تنقلب إلى فوضى فتضر بصاحبها قبل أن تضر بغيره، وحتى تكون حرية الفرد عامل خير له وللآخرين.
ولذلك قيل “تنتهي حرية الفرد عندما تبدأ حرية الآخرين”، لأنه ليست الحريات بدون حدود، فجميع الحريات محددة بموجب القانون، لذا فإن حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية غيرك، وليس معنى هذا أن يستغل المرء الحرية الفردية للإساءة إلى غيره، ولذلك قال تعالى حسب الحديث القدسي: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا”.
لذلك، فالشريعة الإسلامية كانت سباقة إلى تناول موضوع نظرية التعسف في استعمال الحق ومن خلاله الحرية الشخصية «la relativité du droit».
ويرد من معنى الحرية الإنسانية الشخصية، أن يكون الإنسان غير مملوك لأحد لا في نفسه ولا في قومه أو أمته، فالإنسان منذ ولادته لا يملكه أحد، كما لا يوصف بالعبودية لأحد من الناس، ولكنه يوصف بالعبودية لله تعالى وحده خالقه ورازقه، والإسلام يؤكد أن الإنسان المسلم لا يملكه قومه ومجتمعه ولا دولته، لأنه يتساوى مع قومه في إنسانيته الحرة، وهيمنة السلطة الحاكمة على أفراد الدولة، ليس معناها استعباد الحاكم لأفراد الشعب، بل إن ذلك كيان معنوي يقوم به أفراد الشعب لخدمة الشعب، فأساس الحرية في النظام الإسلامي هو خضوع الدنيا للدين، ولذلك نجد كلمة الحرية لم ترد في القرآن الكريم، وإنما جاءت بدلا منها “العبودية لله”، هي أسمى أنواع الحريات، لأنها الحرية الحقيقية التي تنبع من داخل الفرد، فلا يستطيع أحد أن يسلبه إياها مهما كانت الأحوال، لأن العبودية لله تقتضي الخوف منه وحده وعدم الخنوع لأي مخلوق يغضبه سبحانه وتعالى، وهذا ما يفرق بين الإنسان الحر العزيز النفس القوي الإرادة، وبين العبد المنعدم الإرادة الخاضع لغيره من بني البشر، فحرية الإنسان المتمدن لا تتصور إلا في مجتمع متحضر يعيش فيه المرء حياة حرية متساوية لأخيه الإنسان دون تمييز.
حرية الرأي والفكر عند الإنسان
يقصد بحرية الرأي، أن يكون للإنسان الحق في أن يفكر تفكيرا مستقلا في جميع ما يكتنفه من شؤون.
والفكر عمل ذهني يجري داخل مكونات العقل البشري والنفس الإنسانية، فإذا نزع من أعماق السرائر إلى حيز الظهور وبرز إلى الخارج، ألبسه الإنسان ثوبا من الألفاظ والكلمات، وهذا التعبير بالكلمة عن الأفكار الداخلية والأحاسيس النفسية، هو ما نسميه إبداء الرأي، ولعل التعبير بكلمة “حرية الرأي” أكثر مضمونا.
وبهذا المضمون أصبحت حرية الرأي مقدمة في جميع الدساتير الوضعية، وهكذا نجد المادة التاسعة عشر من الوثيقة العالمية لحقوق الإنسان تقول: “لكل فرد الحق في حرية الرأي والتعبير..”، غير أن الإسلام له سبق في الإتيان بكل المعاني التي تميز الإنسان عن جميع المخلوقات، وهي أساس شرفه وامتيازه، ولقد أطلق العقل من أسر الأغلال وأعطاه القيادة، لينظر ويتفكر ويتدبر بعيدا عن سطوة العادات والتقاليد والأهواء والميول، وشرفه الله سبحانه وتعالى بالخطاب وجعله مناط التكليف والمسؤولية.
وإذا كان الإسلام قد كفل حرية التفكير، فإنه قد شجع حرية التعبير، وأعطى الإنسان الحق في التعبير عن رأيه بحرية كاملة وتامة.
وتتجلى حرية الرأي في الإسلام من خلال خطبة الخليفة أبي بكر الصديق، حيث قال: “أيها الناس، إني وليت عليكم ولست خيركم، فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددوني، وأطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم”.
فمن أهم أهداف الحكم في الإسلام، كفالة الحريات العامة وتوفيرها للناس، سواء كانت تتعلق بالحريات المادية التي ترتبط بها حياتهم، أو الحريات المعنوية التي تشمل الحريات الفكرية وما يتعلق بها من فروع توفر للفكر الإنساني الانطلاق البناء في مجال المعرفة المختلفة.
للإنسان أن يبدي رأيه في شؤون الحياة العامة، وفي تصرفات الناس، وتصرفات المسؤولين وسياستهم، وأن ينتقدها، أو يعارضها في ضوء مقاييس مصلحة مجتمعه، ولا حق لأحد أي يمنعه من ذلك أو يقيد حريته، إلا إذا كان في ذلك اعتداء على الآخرين وتعرض لشرفهم أو عرضهم أو اتهامهم بالباطل، فالإسلام لم يقتصر في هذا المجال على السماح بالتعبير عن الرأي والنصح، بل أمر بذلك ودعا إليه بإلحاح، فمن ذلك ما ورد في القرآن الكريم: “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر”، وقال الرسول “ص”: “الدين النصيحة قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولعامة المسلمين وأئمتهم”.
وعلى هذا جرت سيرة الجيل الأول من المسلمين وكثير من الأجيال اللاحقة بالنسبة لموقفهم في خلفائهم وحكامهم ولفت نظرهم وسؤالهم محاسبتهم، حتى أن عمر “ض” قال: “لا خير فيكم إذا لم تقولوا نصيحتكم لنا ولا خير فينا إذا لم نسمعها”.
وتتجلى الحرية السياسية وحق ممارستها في موضوعين:
أولهما: المشاركة في اختيار الحاكم من خلال انتخاب جمهور الشعب للحاكم أو بيعته.
وثانيهما: إبداء الرأي والنصح للحكام ونقد أعمالهم بمقياس مصلحة المسلمين، والنظام الإسلامي عرف نظام الشورى في الحكم (وأمرهم شورى بينهم)، أو ما يعرف اليوم في الأنظمة الديمقراطية بالنظام البرلماني، حيث يختار النواب لينوبوا عن الأمة عن طريق الانتخاب.
فالنظام الديمقراطي يقوم على استشارة الشعب على أساس أن يكون الشعب هو المقرر لمصيره، والحكومات إنما هي منفذة لمصالحه وطموحاته، لهذا فإن الحرية السياسية أساسية لحياة الشعوب، بل إن الحرية في مفهومها الواسع فطرية في الإنسان لا يمكن لأحد أن يسلبها منه، بل لا يتصور أن يتنازل الفرد عنها، بيد أنها ليست حرية لا تقف عند حدود تقيدها، بل هي حرية تنتهي عند بداية حدود حرية الآخرين.
وفي هذا الصدد، نجد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينص على عدة مبادئ تتعلق بالحقوق والحريات للأفراد والجماعات، نذكر من بينها: “لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات دونما تمييز، ولاسيما التمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس، أو اللغة أو الدين، أو الرأي، سياسيا وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة أو المولد أو أي وضع آخر”.
ولا يجوز التمييز على أساس الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي أو الإقليم الذي ينتمي إليه الشخص، سواء كان مستقلا أو موضوعا تحت الوصاية، أو غير متمتع بالحكم الذاتي، أو خاضعا لأي قيد آخر على سيادته.
لكل فرد الحق في الحياة والحرية، وفي الأمان على شخصه، ولا يجوز استرقاق أحد أو استعباده ولا يجوز إخضاعه للتعذيب ولا لمعاملة أو عقوبة قاسية حاطة بالكرامة، فالناس جميعا سواء أمام القانون يتمتعون بالحماية القانونية دونما تمييز، ولكل فرد حق في حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود الدولة، وله الحق في مغادرة أي بلد بما في ذلك بلده، وفي العودة إلى بلده أو البلاد الأخرى، ولكل فرد حق التملك بمفرده أو الاشتراك مع غيره، ولا يجوز تجريد أحد من ملكه تعسفا.
لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين، بأي وسيلة ودونما اعتبار الحدود، ولكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية، ولا يرغم أحد في الانتماء إلى جمعية أو حزب ما.
لكل شخص حق المشاركة في إدارة الشؤون العامة لبلده، إما مباشرة وإما بواسطة ممثلين يختارهم بحرية، ولكل شخص بالتساوي مع الآخرين، حق تقلد الوظائف العامة في بلده وإرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم، ويجب أن تتجلى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة وحرة تجرى بالاقتراع العام وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري أو بإجراء مكافئ من حيث حرية التصويت، ولكل شخص حق إنشاء جمعيات ونقابات وأحزاب مع الآخرين والانضمام إليها من أجل حماية حقوقه ومصالحه، ولكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية، وفي الاستمتاع بالقانون، والإسهام في التقدم العلمي وفي الفوائد التي تنجم عنه، ولكل فرد التمتع بنظام اجتماعي ودولي، يمكن أن تتحقق في ظله الحقوق والحريات المنصوص عليها في هذا الإعلان العالمي.
* أستاذ باحث
تتمة المقال تحت الإعلان
تتمة المقال تحت الإعلان



