مما لا شك فيه أن فيروس “كورونا” المستجد أربك العديد من الحسابات، وبعثر الكثير من التوقعات عبر بلدان العالم بمختلف حجمها ودرجة تقدمها، ففي بداية ظهوره مع مطلع هذه السنة، ثار الجدل حول استعمال الكمامات بين مؤيد ومدحض، وحتى كثير من المنظومات الوقائية التي أصبحت مع مرور الوقت تدابير احترازية، لم تفلت من معطيات الأخذ والرد ومحاولة الرفض والتمرد، واليوم، يعود النقاش من جديد ليدور حول جدوى بعض التطبيقات الذكية التي استحدثت للمساهمة في الحد من انتشار الوباء.
وفي إطار الاستفادة من تكنولوجيا المعلومات، أعلنت وزارة الصحة العمومية بالمغرب، خلال شهر ماي المنصرم، عن نيتها في تنزيل تطبيق ذكي لتتبع أعراض انتشار الفيروس، وابتداء من فاتح يونيو 2020، صرحت رسميا بإطلاق تطبيق هاتفي للإشعار باحتمال التعرض لعدوى فيروس “كوفيد 19” تحت اسم “وقايتنا” وبشعار: “بوقايتنا، نبقاو على بال”. التطبيق يحمل مجانا على الهواتف الذكية كيفما كان نوعها، ويشغل بطريقة “البلوتوث”، مع اعتباره أحد إجراءات الحماية غير الإلزامية للحد من انتشار جائحة فيروس “كورونا”، بتتبع الحالات المخالطة والتكفل بها.
التطبيق تم إنجازه في إطار الشراكة بين وزارة الصحة العمومية ووزارة الداخلية، ووكالة التنمية الرقمية ADD، والوكالة الوطنية لتقنين المواصلات ANRT، ومساهمة تطوعية ومجانية من طرف الشركات المغربية الخبيرة في هذا المجال، كما تم اعتماده من طرف اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي CNDP، وأعلنت مديرية أنظمة المعلومات والاتصال بوزارة الداخلية، في بلاغ لها عقب طرح التطبيق، بأنه ابتكار مغربي مائة بالمائة، مؤكدة بأنه ساهم في تطويره حوالي 40 مهندسا من مختلف القطاعات العمومية والخاصة، وهو ذو طابع مواطناتي، ويتم تحميله مجانا من طرف المواطنين بشكل اختياري، ويشير البلاغ نفسه إلى أن حوالي 80 بالمائة من المغاربة يتوفرون على هواتف ذكية، وتبلغ هذه النسبة 60 بالمائة بالعالم القروي.
ومن جهته، أفاد المتحدث بوزارة الصحة العمومية، بأن هذا التطبيق سيمكن من تشخيص الحالات المخالطة للمصابين بالفيروس والتكفل بها قبل ظهور الأعراض عليها وتفادي المضاعفات والوفيات، والحد من انتقال الفيروس لأشخاص آخرين وتفشيه في المجتمع، وبالتالي، سهولة التحكم في انتشار العدوى، وفي آخر شهر يونيو، أخبرت وزارة الصحة العمومية بأن التطبيق تجاوز مليوني تحميل.
اتجهت العديد من بلدان العالم إلى إحداث تطبيقات ذكية لمراقبة انتشار الفيروس، وعلى الخصوص تلك المتطورة في مجال التكنولوجيا الرقمية، وكانت كوريا الجنوبية سباقة إلى إحداث تطبيق يحمّل على الهواتف الذكية، وفرضته ضمن التدابير الاحترازية للوقاية من الفيروس، تم اللجوء إليه مع مطلع السنة الحالية، ولتنفيذه على الوجه الصحيح، كلفت السلطات المختصة حوالي 20000 شخص لتعقب المخالطين باستعمال التطبيق الرقمي، وأعطت العملية نتائج هامة، وفي الصين التي كانت أول بلد ظهر به الفيروس، استخدمت عدة تطبيقات باستعمال تكنولوجيات متطورة مثل “جي. بي. إس”، على صعيد محلي وجهوي، وتم توظيفها في إطار أمني لمراقبة تحرك الأشخاص المصابين، حيث تقوم السلطات في هذا البلد بجمع البيانات الشخصية بشكل كبير، ورغم إطلاق البرنامج دون موافقتهم، فإن غالبية الصينيين لا يعارضون هذا النظام، لما له من جوانب إيجابية تساهم في الحد من انتشار الوباء.
وفي فرنسا التي أطلقت تطبيق “Stop-covid” منذ 2 يونيو المنصرم، بعد مناقشات عسيرة، وتم رفضه من طرف أحزاب المعارضة، والعديد من الهيئات المناوئة للحكومة، ما فتئ هذا التطبيق أن أعلن عن فشله بعد مرور حوالي 4 أشهر من استخدامه، وهذا التطبيق الفرنسي أنتج بتعاون مع خبراء من سويسرا وألمانيا، وخلال شهر أكتوبر، صرح الوزير الأول الفرنسي في تصريح لقنوات تلفزية، بأنه لم يقم بتحميله على هاتفه لعدم جدواه، وأعلن عن منتوج جديد تحت اسم “أنتي كوفيد” (Anti- covid)، سيتم تنزيله خلال هذا الأسبوع، كما اعترف رئيس الجمهورية الفرنسية بدوره بفشل التطبيق صراحة أثناء لقاء صحافي نظمته جريدة “لوفيغارو” على المباشر يوم 14 أكتوبر.
أما في المغرب، فإن تطبيق “وقايتنا” لم يتم الإقبال على تحميله، كما أن السلطات المعنية لم تستمر بالترويج له، وتقديم الإحصائيات والتقارير المدعمة للنتائج التي كان من المتوقع التوصل إليها، بالإضافة إلى إحجام وزارة الصحة العمومية عن موافاة الرأي العام بالمعطيات المتعلقة بمستوى تحميل التطبيق، وهي مطالبة بذلك.
ومن أسباب العزوف عن توسيع تحميل التطبيق، حتى قبل أن تثبت عدم جدواه، وصمت الجهات المسؤولة عن الاستمرار في الترويج له، والإحجام عن نشر النتائج التي كان من المتوقع تحقيقها، حيث يعود الأمر إلى التخوف من التعرض لكشف المعطيات الخصوصية لمستعمليه، وتعقب خطواتهم بالتنصت على مكالماتهم، والتجسس عليهم من حيث اختراق الصور والرسائل الشخصية، وإن كانت وزارة الصحة قد صرحت من جهتها بأن هذه الاحتمالات كلها مجرد شائعات كاذبة، وتأكيد خبراء في تكنولوجيا المعلومات بأنه تطبيق آمن، إلا أنه ومنذ إطلاق هذا التطبيق، بدأ نزول العديد من التدوينات عبر مواقع التواصل الاجتماعي تدعو لمقاطعته والامتناع عن تحميله، بدعوى كون الهاتف يصبح مخترقا ويسهل مراقبة المكالمات، ويحد من حرية التعبير والتواصل، خاصة وأن ظهوره جاء مباشرة بعد الضجة التي أثارها مشروع قانون 22.20 المتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي، وشبكات البث المفتوح والشبكات المماثلة، الذي عرف بـ”قانون تكميم الأفواه”، لكونه يهدف إلى الحد من حرية التواصل الرقمي، مما دفع بالمتلقين إلى التشكيك في كون التطبيق الجديد جاء لتنزيل مشروع القانون المثير للجدل بطريقة أخرى، الشيء الذي زاده غموضا والتباسا. كما أن استخدام “البلوتوث” لمدة طويلة، يؤدي إلى استهلاك شحن البطارية بسرعة، وخاصة في حالة السفر، زيادة على ذلك، فوزارة الصحة العمومية، بصفتها المحتضن الرئيسي والمعني بانتشاره وتوسيع تحميله، لم تستمر في التواصل مع مستعمليه، والإخبار بالمعطيات الإحصائية والنتائج المحققة، وإن نزوعها للصمت بخصوصه، أحال على التشكيك في عدم جدواه، بل دعم فرضية فشله، وبما أن تطبيقات في بلدان أخرى أبانت عن نتائج ملموسة في تشخيص وتتبع الحالات المخالطة بين المصابين، كان من المفروض القيام بتعديل التطبيق المغربي وتغيير وظائفه في إطار التعامل المبكر لاكتشاف الفيروس باستخدام الهواتف الذكية في تحقيق الالتزام بالتباعد الجسدي.
إن عملية تتبع مسالك الفيروس للإخبار عن مخالطين مصابين، وخاصة في الأماكن التي تعج بالازدحام، ومحلات العمل، والمدارس وغير ذلك، ما دام عنصر الانضباط الشخصي غير موجود، نظرا للظرفية المفاجئة التي ظهر فيها الوباء، تدعو إلى إيجاد تطبيق فعال ومتطور باستغلال تكنولوجيا المعلومات والاتصال، وذلك بإصدار قانون يتم التوافق عليه، ويكون ملزما لتنظيم استعماله، مع الحفاظ على الخصوصية الشخصية للأفراد، وحريتهم في التواصل الرقمي، لأن فرض القيود لا يمكن استساغه بسهولة.