المهاجرون المغاربة أمام تحدي الانسلاخ عن الهوية أو مغادرة أوروبا
1 مارس، 2018
0 2 دقائق
الرباط – الأسبوع
شكل موضوع الهجرة المغربية إلى أوروبا، موضوعا للنقاش الساخن بين مجموعة من المفكرين والأكاديميين الذين دعاهم مجلس الجالية المغربية بالخارج إلى فعاليات اليوم الأخير من المعرض الدولي للكتاب الذي اختتم الأسبوع الماضي بالدار البيضاء، ففي مداخلة له، تساءل الباحث والأكاديمي الفرنسي المتخصص في الهجرة والعالم العربي، فانسون جيسير، عن تشبث الأجيال الجديدة، المنحدرة من الهجرة المغربية، بمغربيتها حتى وإن لم يسبق لها أن عاشت في المغرب، معتبرا أن الشعور الوطني المغربي، تطور في العقود الثلاثة الأخيرة ليشكل هوية يمكن تبنيها على مقاس الشخص من خلال مجموعة من العناصر المشتركة وذات الاستعمالات المختلفة في نفس الوقت.
وأكد جيسير على أنه طيلة فترة اشتغاله على موضوع الهجرة المغربية، تفاجأ بمدى الارتباط الروحي لأجيال الشباب المنحدرين من الهجرة المغربية وافتخارهم بوطنهم الأم بالرغم من بعد المسافات، وهي ظاهرة تفرض نفسها على الباحث، لأنه في الغالب، يتم اندماج أبناء المهاجرين بشكل كلي ويفقدون كل ارتباط ببلدهم الأصلي.
وقدم رئيس تحرير مجلة “الهجرات والمجتمع” تقسيما تاريخيا للهجرة المغربية من ثلاث مراحل أساسية، بحيث تبدأ المرحلة الأولى بعد الاستقلال، ويمكن اعتبار المغربي قد بقي مغربيا أينما كان، وسيطرت على هاته المرحلة ثقافة الوداديات والوطنية المفروضة “بالرغم من أن الأبحاث السوسيولوجية، تظهر أن بعض الأسر المهاجرة، تبنت خطاب الوطنية بعيدا عن رغبة النظام في السيطرة على الجالية”، يقول جيسير قبل أن يضيف، أنه في هذا السياق، كان هناك تصور شبه منغلق، يعتبر أن ازدواجية الانتماء، تعتبر بمثابة خيانة للوطن والدين.
أما المرحلة الثانية في تحليل جيسير، فتعود إلى السبعينات من القرن الماضي حيث طبعت بسياق الصراع بين مجموعات سياسية ونقابية مع السلطة، وقد تشكلت مجموعات نقابية وعمالية في بلدان الهجرة كفرنسا مثلا، حيث تأسست أول جمعية نقابية هي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وتميزت هذه المرحلة أيضا، ببداية الابتعاد عن الأفكار السابقة حول علاقة المهاجر بوطنه الأصلي، وتأسست لدى بعض المهاجرين تصورات عن الهوية الأوروبية، فبدؤوا يأخذون مسافة مع المغرب من أجل تدشين مسار الاندماج في بلدان الإقامة عبر الاستقرار والزواج وإنجاب الأطفال، والعودة في العطل إلى المغرب، في حين أن المرحلة الثالثة، وفق مداخلة فانسون جيسير، فقد بدأت مع بروز أجيال جديدة، وهي مرحلة الانتماء المزدوج والافتخار بهذه الازدواجية، وهذا الأمر ليس تجاوزا للرموز الوطنية، بل تجذرا للهويتين، الوطنية والأصلية، بشكل كلي ومتكامل، وبلورة للشعور بالانتماء الثالث إلى الجهة المنحدر منها أو المقيم بها، وهنا تكمن حدود المقاربة السوسيولوجية التي اعتقدت أن العيش في بلد الاستقبال والارتباط به والزواج فيه، يساهم في نسيان البلد الأصلي، يخلص الباحث الفرنسي.
من جهته، تطرق خالد حاجي، الأمين العام للمجلس الأوروبي للعلماء المغاربة، إلى جدلية التمييز بين الأصيل والدخيل في الحضارات والثقافات، والتركيز على ما يعطي الإنسان للآخر أكثر، وإغفال ما يأخذ.
واستنبط حاجي في طرحه الإشكالي، من فلسفة ابن خلدون، الذي أسس فلسفيا جدلية للأخذ والعطاء من خلال الحديث عن دينامية الاستعجام والاستعراب، وهما مكمن قوة الحضارة، وقد فسر هذا الطرح بالقول: “إنه حين يكون هناك تواصل بين الداخل والخارج، تظل الحضارة قائمة، وحين تقف عن الأخذ والعطاء، يحصل نقص وتوقف في تاريخها، الأمر الذي يلحقه الانهيار والفساد”.
ولتجسيد نموذج هذه الجدلية في السياق المعاصر، أكد المتحدث ذاته، أن تركيز اليمين المتطرف في أوروبا على الهوية الأوروبية الخالية من الشوائب وكأن الآخر لا يعطي، هو أمر بعيد عن الحقيقة، بل إنه يساهم في التراجع الفكري لأوروبا، لأن المهاجرين المغاربة، مع مرور الوقت، أصبحوا يتشبعون بالثقافة الأوروبية، ويطمحون لتوسعة ذواتهم، ويشعرون بأن لهم رصيدا معرفيا وروحيا وفكريا ينتمون إليه، إلا أن هناك حدودا تمنع خروجه إلى الكونية، مما يجعلهم يلبسون رصيدهم الفكري لباسا أوروبيا ليخرج لمضمار العالمية.
ودعا الأمين العام للمجلس الأوروبي للعلماء المغاربة، الإنسان المغربي في الغرب، للاجتهاد للتوفيق بين الانتساب للإسلام والانتماء لبيئة جديدة عصرية، والتصدي لأفكار اليمين المتطرف الذي يخير الإنسان المغربي بين الانسلاخ عن هويته بشكل كلي أو الخروج من أوروبا.