الصحفي رمزي صوفيا يسلم على الراحل الحسن الثاني بعد المسيرة الخضراء
بقلم. رمزي صوفيا
عندما خاطب الراحل العظيم شعبه الوفي بعبارات تعبق بالحماس والثقة في وفاء كل مواطن وكل مواطنة للعرش العلوي ورغبة الشعب بكل أجياله وبكل فئاته في تخليص أراضي المغرب الجنوبية من ربقة الاستعمار الإسباني، كانت كلمات الملك الراحل الحسن الثاني، بليغة ومليئة بالحكم السديدة، حيث قال قبيل انطلاق 350 ألف مغربي ومغربية نحو أراضيهم الشرعية: ((باسم الله الرحمن الرحيم. شعبي العزيز:
قال تعالى في كتابه الحكيم: “فإذا عزمت فتوكل على الله” صدق الله العظيم.
فعلا شعبي العزيز، لقد عزمنا وعزمنا جميعا ككل مرة في التاريخ، قررنا أن نعزم عزمنا وقررنا أن نسير بمسيرة سلمية خضراء مدعمين بحقوقنا، محاطين بأشقائنا ورفاقنا، معتمدين قبل كل شيء على إرادتنا وإيماننا، وما كدنا نعلن نبأ المسيرة، شعبي العزيز، حتى وجدنا فيك من الاستجابة ومن الطاعة ومن التسابق إلى الخير، ما أنت مجبول عليه من تلك الخصال الحميدة الشريفة التي جعلت منك، وستبقى تجعل منك، تعطي دروسا، وتلقن دروسا منضدة في كتب التاريخ وسجلاتها كمثل يحتذى به وكشعب يمكن أن يتخذ مثالا أمثل)).. بهذه العبارات التاريخية، عبر ملك عظيم عن ثقته في شعب عظيم.
يومها، كنت قد حللت بالمغرب للمشاركة في هذا الحدث التاريخي، ألا هو المسيرة الخضراء ممثلا لجريدة “السياسة” الكويتية التي كنت مديرا إقليميا لمكتبها بالقاهرة وشمال إفريقيا، كما كنت مراسلا لعدة صحف ومجلات كانت تنتظر تغطيتي الصحفية للمسيرة الخضراء بفارغ الصبر.
وهكذا انطلقنا جميعا في موكب هائل جاءت أفواجه من كل حدب وصوب من مختلف مناطق المملكة، وكانت الملاحظة الأولى التي حركت في نفسي مشاعر تقدير هائلة لهذا الشعب الوفي الراقي، هي ذلك التلاحم القوي وتلك الثقة التي أثبتها شعب المغرب في قضيته التاريخية، ألا وهي استرجاع أقاليمه الجنوبية ولو بالروح والدم.
ولكن بعد نظر ملك عظيم كالحسن الثاني الذي وضع استراتيجية محكمة يستحيل أن يهتدي إليها قادة السياسة في كل دول العالم، لأن فكرة معجزة مسيرة ينفذها 350 ألف شخص سلاحهم الوحيد، القرآن الكريم وراية الوطن، لا يمكن أن تصدر إلا عن ملك عبقري وضع خطة دقيقة ومدروسة لا تحتمل ذرة واحدة من الخطإ، وحافظ على مشروع المسيرة التاريخية في سرية تامة حتى اكتمل بكل تفاصيله، واختار له الوقت المناسب بعد صدور حكم محكمة “لاهاي” الدولية بشرعية السيادة المغربية على أقاليم الجنوب المغربي.
وكنت كصحفي متحمسا بشكل كبير، ليس فقط للقيام بعملي كصحفي بتغطية المسيرة من الناحية الإعلامية، بل كنت في قمة الحماس للمشاركة كعربي يحب المغرب وواثق من أحقية المملكة في استرجاع كل شبر من ترابها إلى حظيرة الوطن الأم، فكان دافع حبي للمغرب، أكبر من دافع الصحفي في نفسي، ولكنني كنت راغبا في الوقوف على تفاصيل تنفيذ المسيرة الخضراء من لحظة انطلاقها حتى اللحظة الحاسمة، وهي وطء أقدام الشعب المغربي لتراب أراضيه المسترجعة.
وفي يوم انطلاق المسيرة، قمت في قمة النشاط وتوجهت نحو مقر تجمع الصحفيين بمدينة مراكش، ثم تحركت بنا الحافلة نحو الجنوب بكل هدوء واحترافية، وكانت الحافلات والشاحنات تسير متراصة ومتتابعة والكل في قمة الحماس والابتهاج، وكانت الراية الوطنية المغربية ترفرف عالية على طول الطريق في مقدمة الحافلات.
بدأ التخطيط الفعلي للمسيرة الخضراء يوم 21 غشت 1975، حينما أسر جلالة الملك الراحل الحسن الثاني بعزمه على تنظيم مسيرة إلى الصحراء لثلاثة عسكريين، الكولونيل أشهبار، الكولونيل بناني والكولونيل الزياتي، حيث كلفهم بالاعتكاف لإعداد مخطط شامل للمسيرة.
وعلى امتداد 20 يوما، كان تبادل المعلومات بخصوص الإعداد للمسيرة، بين الرباط والأقاليم، يتم كل ليلة بواسطة أشخاص لم يسمح لهم باستعمال الورق والكتابة، ولا بالاتصال عبر الهاتف أو الراديو أو التليكس، فكل المعلومات كانت تمرر بطريقة شفوية تحت جنح الظلام وفي سرية تامة.
وبعد سويعات من إعلان محكمة “لاهاي” عن رأيها يوم 16 أكتوبر 1975، كشف جلالة الملك الراحل الحسن الثاني للعالم عن قراره الرامي إلى تنظيم المسيرة الخضراء، مفاجئا بذلك، الجميع بمن فيهم مخابرات الدول العظمى.
لم يكن قد خطر على بال المغاربة، أن جلالة الملك الراحل الحسن الثاني الذي حكم المغرب ما يزيد عن ثلاثة عقود ونصف، قد تخالجه فكرة التنحي عن حكم المغرب، من كان يظن أن هذا الملك العظيم، قد يترك فكرة من هذا النوع تحتل تفكير جلالته للحظة، لتصبح شغله الشاغل آنذاك، خاصة وأنه سعى بكل الوسائل إلى تثبيت دعائم الحكم بمملكة العلويين وتحديث المغرب؟
صرح مؤنس الملك الراحل الحسن الثاني، الراحل “بين بين”، الذي نذر حياته في سبيل ترويق مزاج ملك المغرب آنذاك، أن جلالته، كان على أهبة تقديم استقالته والتنحي عن الحكم إذا ما فشلت المسيرة الخضراء في بلوغ أهدافها المنشودة، أي استرجاع الأقاليم الصحراوية، لكن كيف تسللت فكرة التخلي عن حكم المملكة إلى مخيلة جلالة الملك الراحل الحسن الثاني؟
“ماذا كنتم ستفعلون لو أخفق رهانكم على المسيرة الخضراء؟”، كان هذا السؤال واحدا من عشرات الأسئلة التي ألقاها الصحفي الفرنسي، إيريك لوران، على الحسن الثاني، وبغض النظر عما أفضى به ملك المغرب آنذاك من أجوبة لإطفاء حرقة السؤال، غير أن مضمونها حسب المتتبعين، أخذ طابع اعترافات لم يكن من السهل أن تنطلق من لسان ملك عظيم، فماذا كان سيفعل جلالة الملك لو أخفق رهانه على المسيرة الخضراء؟ يقول جلالته جوابا على ذلك في كتاب “ذاكرة ملك”: ((عندما عدت إلى الرباط قادما من أكادير، صعدت إلى شرفة القصر لأتأمل اخضرار ملعب الغولف، ونظرت إلى البحر نظرة مغايرة وأنا أخاطب نفسي “لقد كان من الممكن أن لا تعود إلى الرباط إلا للم حقائبك استعدادا للمنفى”، فلو فشلت المسيرة لكنت استقلت، إنه قرار أمعنت التفكير فيه طويلا بحيث كان يستحيل علي أن أترك على الساحة، ضحايا لم يكن لهم سلاح سوى كتاب الله في يد والراية المغربية في اليد الأخرى.. إن العالم كان سيصف عملي بالمغامرة”.. وكما نقول عندنا في اللهجة المغربية “ما كان بقى لي وجه أقابل به الناس”)).
إن فكرة التنحي عن العرش التي جثمت بثقلها على ذهن الملك الراحل الحسن الثاني، كان من شأنها أن تشكل أزمة دستورية وسياسية، لكن جلالته كان قد وضع كل الاحتمالات من أجل ذلك.. وجوابا عن الكيفية التي كان من الممكن أن يتصرف على ضوئها سياسيا ودستوريا، فقد قال: ((كنت سأشكل مجلسا للوصاية في انتظار أن يبلغ نجلي سن الرشد، وكنت سأذهب للعيش في فرنسا أو في الولايات المتحدة الأمريكية، وبالضبط في نيوجيرسي، حيث أتوفر على ملكية هناك))، لكن هل كان جلالة الملك الراحل الحسن الثاني على أهبة الرحيل عن المغرب في حالة فشل المسيرة الخضراء؟ ((أجل.. وفي هذه الحالة، كان غيابي سيكون جسديا فقط، لأن المرارة لن تفارقني، لاسيما وأنني ذقت طعم المنفى))، يقول جلالته.
موازاة مع المسيرة الخضراء المدنية والعلنية، عمل الحسن الثاني على الإعداد لمسيرة أخرى، لكنها سرية وعسكرية، إذ نادى على رجل ثقته آنذاك، أحمد الدليمي وكلفه بالعمل على التسلل إلى الصحراء برجاله، وذلك لأنه أيقن منذ أن أعلنت محكمة “لاهاي” عن رأيها وقدمت الأمم المتحدة تقريرها في موضوع الصحراء سنة 1975، أن الأرض ستعود لمن يحوزها بمجرد أن يغادرها الجنود الإسبان، وذاك ما كان، إذ ما أن تم الإعلان عن وقف المسيرة الخضراء، حتى كان الجيش المغربي بقيادة أحمد الدليمي، قد رسخ أقدامه على جزء من تراب الصحراء بدء من الشرق (عملية أحد).
عندما كانت الأنظار موجهة صوب المسيرة الخضراء، انطلق أحمد الدليمي بجيشه لضمان التواجد الفعلي على أرض الصحراء، فقبل الإعلان عن وقف المسيرة، كان قد توغل على مسافة 100 كلم في الصحراء، متقدما نحو “الفارسية” مرورا بـ “الجديرية” ثم “الحوزة” فـ “المحبس” وصولا إلى السمارة دون أدنى مقاومة، وعندما كانت الحافلات المليئة بالمتطوعين والمتطوعات تتحرك وتقترب شيئا فشيئا من الأقاليم الجنوبية بعد مرورنا من كلميم التي تلقب بباب الصحراء، كانت أصوات المتطوعين تزداد ارتفاعا بالنشيد الوطني وعبارة واحدة هي “عاش الملك الحسن الثاني”، أما المتطوعات بمئات الآلاف، فقد كانت زغاريدهن تتردد بين جبال وسهول الجنوب بشكل تهتز له الأفئدة من فرط التأثر.
ولن أخفي عليكم شيئا عشته في تلك الرحلة، وهي دموع التفاعل والتأثر التي كانت تفر من عيني وأنا أرى بأم عيني كل ذلك التلاحم بين عرش عبقري وبين شعب وفي، تلاحم جعل الملك يحرص كل الحرص على سلامة شعبه وجعله يتأكد ألف في المائة من استحالة تعرض فرد واحد من متطوعي ومتطوعات المسيرة الخضراء لأي حركة غدر من قوات الاستعمار، أما الشعب، فقد كان كل ما يهمه، ليس حياته أو أرواحه، بل كل هدفه كان، هو استرجاع جزء عزيز من ترابه، وكانت كرامة الشعب الذي ضرب به المثل قبل ذلك بأكثر من عشرين سنة في مكافحة المستعمر الفرنسي، مستعدا للتضحية بحياته في سبيل قضيته الوطنية الأولى، وهي استرجاع الصحراء المغربية في صف واحد موحد وراء قائده الذي يتبادل معه ثقة لا يمكن وصفها.
وعندما وصلنا إلى الحدود، أتذكر بأن الأوامر صدرت بأن يتوقف الجميع في انتظار تعليمات جلالة الملك.
وبعد لحظات، عاينت بأم عيني كيف كان كل مغربي وكل مغربية، يتسابقون للفوز بشرف قطع أول خطوة داخل أراضي أجدادهم، وكيف كان كل واحد غير مبال بقوات المستعمر والحرس الإسباني الرابض هناك، وكيف كان مئات الآلاف يهتفون بحياة الملك الحسن الثاني، ويهللون ويكبرون لله تعالى الذي وهبهم ملكا عبقريا جعلهم يحققون معجزة من معجزات التاريخ.. معجزة سيتباهى ويتفاخر بها أحفاد أحفادهم.
وعندما دخلنا إلى الأراضي المسترجعة، كانت الأجواء الحماسية هائلة، وكان الترقب قد زال، فعاينت كيف كان الشعب المغربي القادم من كل جهات وطنه يتعامل بتضامن وكأنهم أفراد عائلة واحدة.. كانت الأجواء عابقة بالمحبة والتراحم حيث كان كل واحد يقدم الآخر على نفسه، وكانت السيدات يتنافسن في إعداد الفطائر المغربية الشهية والشاي الدافئ وهن يزغردن، وكان الرجال يتحلقون مع بعضهم البعض بكل اعتزاز ولسان حال كل واحد منهم يقول للعالم: ((أنا أول من وطئت أقدامهم أراضي أجدادنا بفضل عبقرية ملكنا العظيم)).
وبعد نجاح المسيرة الخضراء، سافرت على متن الطائرة نحو مدينة العيون، وهناك التقيت بعدد كبير من سكانها الذين طرحت عليهم سؤالا واحدا هو: “بماذا تشعر بعد اندحار الاستعمار الإسباني من أراضيكم؟”، فكان الجواب الوحيد الذي كان كل واحد يدلي لي به هو: “المغرب هو مغرب واحد من طنجة إلى الكويرة، وعودة مناطقنا الجنوبية لوطنها الأم، كانت ضرورية لتطبيق حكم سجلات التاريخ، فالتاريخ يؤكد بأدلة دامغة بأن علاقة البيعة بين سكان هذه الأقاليم وبين الملوك العلويين، كانت معقودة منذ عدة قرون”.. هكذا كان كل سكان تلك الأقاليم، مستعدين لافتداء وطنهم المغرب بالروح والدم، وكانت فرحتهم لا توصف بحلول أشقائهم من أقاليم وطنهم الشمالية والوسطى لإنقاذهم من ربقة استعمار غير شرعي وغير مقبول، وهكذا كتبت عدة مقالات بتصريحات سكان الأقاليم الجنوبية المغربية على صفحات جريدة “السياسة” الكويتية “، ولقيت مقالاتي إعجاب كل من قرأها، لأن حقوق المغرب كانت واضحة وتاريخية في أقاليمه الجنوبية.
وبعد انتهاء المسيرة الخضراء، عقد جلالة الملك الحسن الثاني ندوة صحفية مع أقطاب الصحافة الوطنية والدولية، فوقفت لأطرح على جلالته سؤالا كان يلح علي وهو: “سيدي صاحب الجلالة، لقد قلتم للمسيرة الخضراء انطلقي، فانطلقت، وقلتم لها توقفي، فتوقفت، فما سر هذا التلاحم بين القمة والقاعدة؟”، فجاء جواب جلالته حكيما كما اعتاد على ذلك عباقرة الصحافة الذين كانت أجوبة جلالته تجعلهم يفغرون أفواههم من فرط سعة اطلاعه وثقافته وذكائه، والحضور الاستثنائي لبديهته حيث أجابني عن هذه النقطة بالذات بجواب طويل شرح لنا فيه، الدرجة الهائلة للتلاحم الوثيق بين العرش العلوي وبين الشعب المغربي قاطبة، حيث أكد لي جلالته ولكل رجال وسيدات الصحافة الذين كانوا متواجدين في تلك الندوة، بأن الرباط الذي يجمع بين كل مغربي ومغربية منذ أنفاسهم الأولى في هذه الحياة، وبين الملوك العلويين، ظل على مرور الأزمنة، يجمعنا عقد بيعة ولاء ووفاء أبدي تضرب به الأمثال بين الأمم، ونفس هذا الرباط المبني على بيعة شرعية، هو الذي يجعل القمة، التي هي عرش المغرب الممثل في الملك، في تلاحم دائم مع القاعدة الوفية المخلصة التي هي الشعب بأكمله، فوقفت الصحافة الدولية وقفة إجلال وإكبار لهذه العلاقة المقدسة والتاريخية بين الشعب وبين الدوحة العلوية الوارفة الظلال على مر الدهور.