الرأي | دروس الحياة من خلال رواية “ذهب مع الريح”


في بداية سبعينات القرن الماضي، وكنا تلاميذ في الثانوية بالسلك الأول، كان أستاذ اللغة الفرنسية موسيو روجيز وزوجته مدام روجيز يتناوبان على حصة اللغة الفرنسية بالنسبة لأقسام الثانوية التي كان مديرها من الشخصيات المغربية المثقفة في بداية الاستقلال، الأستاذ السكيرج، بنظارتيه السميكتين وشعره الأبيض وبشرته البيضاء المحمرة بلهيب شمس صيف حار كان يتسلل من نوافذ الثانوية التي كان الزجاج يغلب على حيطانها وكانوا يسمونها الثانوية الزجاجية بشارع مولاي يوسف الرقم 114، سميت فيما بعد بثانوية الإدريسي.
كان المدير يتفقد كل الأقسام ويراقب ليس فقط هندام التلاميذ وحلاقة شعرهم وتقليم أظافرهم وارتداء بدلهم المدرسية، ولكن حتى ما يكتبونه، ويسأل المرة تلو الأخرى موسيو ومدام روجيز عما هو مكتوب في سبورة القسم، التي كان يتناوب على مسحها وتنظيفها تلاميذ الصفوف الأولى، وحدث أن دخل علينا ووجد عبارة مكتوبة باللغة الفرنسية: “ذهب مع الريح”، فابتسم وخاطب الأستاذ بلغة فرنسية أنيقة: وهل تظن أن هؤلاء الصغار سيفهمون هذه القولة ؟
وفهمنا من جواب الأستاذ روجيز، الذي كانت صلعته وربطة عنقه الظاهرة للعيان منسجمة مع بدلته الرمادية القاتمة، ولكنة لغته الفرنسية لا تترك مجالا للشك في جديته التي كانت مضرب المثال في الثانوية: “من الأحسن السيد المدير أن يتذكروها دون فهمها وعندما يكبرون سيعرفون عمقها”، وانصرف مدير المؤسسة مخاطبا إيانا: “من استطاع منكم مشاهدة الفيلم بمعية أحد من أسرتكم فإنه معروض بسينما النصر”.
هي إحدى دور السينما التاريخية الشهيرة والعريقة في مدينة الدار البيضاء، وتقع في شارع الأمير مولاي عبد الله افتتحت سنة 1935 وتعتبر جزءً من التراث المعماري وعصر الطراز الـ”Art déco” في الدار البيضاء.
وقد توطدت علاقتنا بهذه السينما عندما أصبحت البناية الجديدة لمحكمة أنفا تطل نوافذها على جزء منها عندما التحقنا بهذه المحكمة، حيث كان مجموعة من المحامين والقضاة والكتاب والمتقاضين يرابطون أمامها في المقهى الشهير “إجلو” لاحتساء القهوة البرازيلية والتلذذ بمثلجاتها الأنيقة التي كانت تقدم في أكواب خاصة قبل أو بعد انتهائهم من الجلسات.
ومنذ ذلك الحين ونحن نبحث عن أسرار هذه القصة، وذهبنا فيما بعد إلى السينما مصحوبين ذات أحد، لكن المفاجأة أن الفيلم كان طويلا وخرج مجموعة من المتفرجين في الاستراحة ظنا منهم أن الفيلم انتهى، لكن مرتادي السينما وكان واحدا منهم بجانبنا خاطبنا ناصحا: “ما دام لم تكتب عبارة النهاية، إياكم أن تغادروا القاعة”، فبقي ثلة منا لحسن الحظ لمشاهدة كل أطواره التي لم نفهم منها ومن عباراتها وحكمها إلا النزر القليل، ولم نتذكر إلا تلك الحادثة المأساوية لسقوط تلك الطفلة من ظهر الجواد الجامح وموتها، وبعض لقطات الحرب، وتلك المربية السوداء ذات العينين الواسعتين المحمرتين وصوتها الحنون.
وشاءت الأقدار أن نتقدم في السن ونعيد مرات ومرات مشاهدة الفيلم وقراءة قصته ونحن كبارا، ولا زلنا بفضل تقدم الأنترنيت ووسائل التواصل الاجتماعي نعيده كلما أردنا التمعن في قصته وحوارات أبطاله، بل أصبحنا نتذكر تلك الحكم والجمل التي أصبحت جزء من ثقافتنا، فمن منا لا يتذكر عبارات:
“To morrow is another day”، وهي العبارة الختامية التي قررت بها بطلة الفيلم “سكارليت” طرد اليأس واستعادة توازنها بعد رحيل “ريت” وتداعي عالمها، والتي أصبحت الرمز الأشهر عالميا للتفاؤل العملي والأمل المستمر رغم فداحة الخسائر.
وعبارة “أنا لا أبالي على الإطلاق”، وهي رد “ريت بتلر” الحاسم والصادم عندما سألته “سكارليت” باكية: “إذا رحلت، إلى أين أذهب؟ ماذا أفعل؟”، وهي العبارة التي وُصفت من قبل معهد الفيلم الأمريكي بأنها “أعظم عبارة سينمائية في التاريخ”، لأنها تمثل لحظة القطع التام والتحرر من عبودية الأمل الزائف والعلاقات السامة.
ثم عبارة “أقسم أمام الله لن أُصاب بالجوع مجددا أبدا”، لما صرخت “سكارليت” وسط حطام مزرعة “تارا” وهي تعاني الجوع والفقر المدقع بعد الحرب، وهي تلخص الولادة الثانية للإنسان من رحم المعاناة والتحول من الضعف إلى الشراسة في حماية البقاء .
والعبارة التي يحبها كل من سرى في دمائه حب الأرض وزراعتها والإخلاص لها والتشبث بها من فلاحين ومزارعين وملاكين: “الأرض وحدها هي التي تبقى”، وهي نصيحة الأب لـ”سكارليت”، والتي ترسخت كمرتكز فلسفي للعمل.
لقد تحولت رواية وفيلم “ذهب مع الريح” إلى منجم حقيقي للعبارات الخالدة التي تجاوزت حدود السينما لتصبح جزءً من الثقافة الإنسانية الشعبية؛ فلم تكن تلك الكلمات مجرد حوارات عادية، بل كانت تجسيدا لفلسفة عميقة في التعامل مع الأزمات، والزمن، والنفس البشرية، لذلك لم يفهمها الأطفال إلا بعدما كبروا.. وشاخوا.



