الرأي | الوجودية بين أنيس منصور و العقاد و صراع الأجيال


لما قرأنا كتاب”في صالون العقاد كانت لنا أيام”، لأنيس منصور والذي يُعد أهم وثيقة أدبية سجلت ما كان يدور في ندوة العقادالتي كادت تنمحي في عصر ندوات التفاهة و اختفاء صالونات الفكر الرصين لما كان الأدباء و الموسيقيين يتدارسون الفكر و مشاكل المجتمع من منظور الموضوعية و النقد البناء
نجد أن انيس منصور في هذا الكتاب لم يكتف بتوثيق الأفكار، بل رسم صورة حية للعقاد الإنسان والمفكر، مسجلاً آراءه في المرأة، والأدباء المعاصرين له، والسياسة، بطريقة جمعت بين السرد الأدبي والتوثيق التاريخي.
لقد ساهم هذا الكتاب في تقريب شخصية العقاد – منا و نحن شباب و التي كانت تبدو برجوازية ومرعبة لبعضنا و متزمتة و متطرفة بعض الشيئ في استنتاجاتها و خلطها أحيانا بين ما هو ديني و تحرري .
و هو مشكل لا زال مطروحا كلما تعاقبت اجيال جديدة و هو ما نسميه صراع الأجيال .
لكن ما يثلج الصدراليوم و مع اكتشاف الانترنيت و منصات التواصل الاجتماعي و تطور الصحافة الحقيقية بدأنا نكتشف عبقرية من كتب على العبقريات الخالدة و بدأنا ننظر بمنظار الأسف أننا لم تتح لنا الفرصة لحضور هذه الصالونات الأدبية و الفكرية و الموسيقية لنقترب من هذه الشخصيات أكثر فأكثر .
. فقد تميز العقاد بلغة رصينة، جادة، ومعقدة أحياناً، تميل إلى النخبوية والتجريد الفلسفي العالي لكن أنيس منصور اختار مساراً مختلفاً تماماً، حيث وظف ثقافته الفلسفية التي اكتسبها (من دراسته الأكاديمية ومن صالون العقاد) وقدمها بأسلوب صحفي رشيق، جذاب، ومبسط للقارئ العادي .
كان العقاد يغوص في أعماق الكتب، بينما كان أنيس منصور يحلق في عالم الصحافة وأدب الرحلات، لينقل الفلسفة من رفوف المكتبات الصارمة إلى صفحات الجرائد اليومية.
باختصار، كانت علاقة أنيس منصور بالعقاد علاقة تلميذ نجيب شرب من نبع أستاذه الفكري، واستلهم من واقعيته الصارمة، ثم انطلق ليصنع لنفسه طريقاً خاصاً، مخلداً ذكرى أستاذه في مقالاته وكتبه طوال حياته.
كان العقاد ينظر إلى الوجودية، وتحديداً “الوجودية السارترية (الملحدة)”، بعين الريبة والهجوم، واعتبرها تهديداً للمنطق والعقلانية والقيم الإسلامية، وتجلت مواقفه في الهجوم المباشر على العدمية لما اعتبر الوجودية الغربية فلسفة تشاؤمية تدعو إلى العدمية والانحلال الأخلاقي.
و كان يرى أن التركيز المبالغ فيه على العبث واللاجدوى يهدم قيمة الإنسان ودوره الحضاري.و هو في نظرنا محاولة ذكية منه في ترويض الوجودية إسلامياً أي (الوجودية المؤمنة) .
فهو لم يرفض افكرة “الوجود” من حيث المبدأ، لكنه حاول تأصيل ما يمكن تسميته بـ “الوجودية المؤمنة”
مرتئيا أن الإسلام قد منح الإنسان حريته واستقلاليته (كما تنادي الوجودية)، لكنها حرية مسؤولة ومقيدة بوجود إله عادل ونظام كوني محكم، وليست حرية عبثية فوضوية فهو نوع من الانتصار للعقل لا يتناقض فيه صاحبه مع فكره حينما أسسه على “العقلانية”، رافضا بشدة النزعة اللاعقلانية والانفعالية في الفلسفة الوجودية الغربية، وكتب مقالات وكتباً تفند هذه الأفكار وتدافع عن الفكر العربي والإسلامي الذي يوازن بين الروح والعقل والوجود.
ففي هذا التوازن تترعرع الوجودية حسب وجهة نظره .
أما عند أنيس منصور فهناك اختلاف بين في الأسلوب رغم وحدة الجذو فرغم التأثر الفكري العميق، اختلف أنيس منصور عن أستاذه في “الأسلوب والتناول لقد اختار أنيس منصور مساراً مختلفاً تماماً، حيث وظف ثقافته الفلسفية التي اكتسبها (من دراسته الأكاديمية ومن صالون العقاد) وقدمها بأسلوب صحفي رشيق، جذاب، ومبسط للقارئ العادي.
كان العقاد يغوص في أعماق الكتب، بينما كان منصور يحلق في عالم الصحافة وأدب الرحلات، لينقل الفلسفة من رفوف المكتبات الصارمة إلى صفحات الجرائد اليومية.
باختصار، كانت علاقة أنيس منصور بالعقاد علاقة تلميذ نجيب شرب من نبع أستاذه الفكري، واستلهم من واقعيته الصارمة، ثم انطلق ليصنع لنفسه طريقاً خاصاً، مخلداً ذكرى أستاذه في مقالاته وكتبه طوال حياته.
و هكذا يمكن تلخيص الفارق الفكري بين انيس منصور و العقاد في التعامل مع الوجودية في المنهج فإذا كان منهج صاحب العبقريات عقائدياً ونقدياً؛ يزن الفلسفة بميزان العقل والدين ويرفض ما يخالفهما. بينما منهج أنيس منصور كان وصفياً وتحليلياً؛ يشرح الفلسفة، يحلل رموزها، ويعرضها على القارئ بموضوعية المتخصص .
فغاية العقاد كانت حماية العقل العربي من “لوثات” الفكر الغربي المادي والعدمي. أما غاية أنيس منصور فكانت تحديث العقل العربي وإطلاعه على أحدث ما توصل إليه الفكر الإنساني.
على الرغم من هذا الاختلاف الجذري في النظرة، ظل أنيس منصور يكن احتراماً فائقاً لرأي أستاذه، واعتبر أن هجوم العقاد على الوجودية كان جزءاً من غيرته الشديدة على أصالة الفكر العربي والإسلامي واستقلاليته.
و السؤال المطروح اليوم كيف يمكن لنا التوفيق بين النظريتين ؟
لدراسة ما يشهده العالم اليوم من صراع بين أجيال أبى التقدم التكنلوجي المتمثل في غزو الانترنيت و الذكاء الاصطناعي و الأقمار الاصطناعية و غزو الفضاء و غير ذلك من المستجدات إلى أن يفرق بينهم و بين من سبقهم و المعاصرين لهم من آباء و أمهات و هل من سبيل إلى التوفيق ؟
يتبع



