الرأي

الرأي | ربَّ ضارة نافعة.. من الإنجاز الرياضي إلى القوة الناعمة المغربية

بقلم: عبد الله بوصوف

  انتهت رحلة المنتخب الوطني المغربي في ربع نهائي كأس العالم بعد خسارته أمام المنتخب الفرنسي بهدفين دون مقابل، وهي نتيجة تظل جزءً من منطق كرة القدم، حيث لا توجد منتخبات لا تُهزم، ولا بطولات تخلو من مفاجآت؛ فالرياضة، في نهاية المطاف، تقوم على مبدأ التنافس، وتحتمل الربح والخسارة بالقدر نفسه، غير أن الأمم الكبرى لا تقيس نجاحها بنتيجة مباراة واحدة، وإنما بما تتركه من أثر في الوعي الجماعي، وما تحققه من مكاسب تتجاوز حدود الملعب.

نجح المنتخب المغربي خلال هذه النسخة من كأس العالم في تحقيق ما هو أكبر من الانتصارات الرياضية؛ فقد فرض احترامه أمام مدارس كروية عريقة، وقدم مستويات عالية أمام منتخبات قوية، واستطاع أن يلفت أنظار العالم ليس فقط بمهارات لاعبيه، وإنما أيضا بالقيم التي حملها معه إلى الملاعب.

وفي زمن أصبحت فيه الرياضة أحيانا مرآة للتوتر والعنف والتعصب، قدم المغرب نموذجا مختلفا يقوم على الانضباط والاحترام والتواضع وروح الجماعة. ولم يكن المشهد الأكثر تأثيرا هو تسجيل الأهداف، بل تلك الصور التي جمعت اللاعبين بأمهاتهم وآبائهم وأسرهم بعد المباريات، والتي أعادت إلى الواجهة قيمة الأسرة باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للمجتمع المغربي. لقد كانت تلك الصور رسالة حضارية بليغة، فهمتها شعوب العالم بمختلف لغاتها وثقافاتها.

تتمة المقال تحت الإعلان

ورغم الإقصاء، بقي المغرب آخر ممثل للقارة الإفريقية والعالم العربي في البطولة، وهو ما جعل جماهير إفريقيا والعالم العربي، ومعها جماهير آسيوية وأوروبية عديدة، تتابع مسيرته بإعجاب كبير، ولم يعد المنتخب المغربي يُنظر إليه باعتباره فريقا مفاجئا، بل باعتباره خصما قادرا على منافسة أكبر المدارس الكروية العالمية.

تتمة المقال تحت الإعلان

غير أن الإنجاز الحقيقي تحقق خارج المستطيل الأخضر؛ فمن الولايات المتحدة إلى نيوزيلندا، ومن أمريكا اللاتينية إلى شرق آسيا.. أصبح المغرب حاضرا في وسائل الإعلام العالمية، وفي منصات التواصل الاجتماعي، وفي النقاشات العامة، بوصفه بلدا يمتلك هوية واضحة، وثقافة غنية، ومجتمعا متماسكا. لقد أصبحت كرة القدم نافذة واسعة تعرف العالم من خلالها على المغرب.

واكتشف ملايين الناس تفاصيل الثقافة المغربية: المطبخ المغربي بأطباقه المتنوعة، واللباس التقليدي بأناقته، والموسيقى المغربية بتعدد روافدها، وفنون الضيافة التي تشكل جزءً أصيلا من الشخصية المغربية، كما اكتشفوا مجتمعا يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويوازن بين الاعتزاز بالهوية والانفتاح على العالم، ويقدم نموذجا للإسلام الوسطي المعتدل المتصالح مع العصر.

ولعل من أبرز الرسائل التي حملها المنتخب الوطني إلى العالم، صورة المرأة المغربية داخل الأسرة والمجتمع؛ فقد حضرت الأم المغربية باعتبارها رمزا للتربية والوفاء، كما برزت العلاقات الإنسانية بين اللاعبين وأسرهم باعتبارها جزءً من نجاحهم.. وهكذا استطاع المغرب أن يصحح كثيرا من الصور النمطية التي ظلت تروجها بعض وسائل الإعلام عن المجتمعات العربية والإسلامية.

إن ما حدث خلال كأس العالم يؤكد أن القوة الناعمة أصبحت اليوم أحد أهم عناصر المكانة الدولية للدول؛ فالدبلوماسية لم تعد تقتصر على السفارات والاتفاقيات السياسية، بل أصبحت الثقافة والفن والرياضة والجامعات والإبداع والاقتصاد والسياحة.. أدوات لا تقل أهمية عن أدوات السياسة التقليدية، والدول التي تنجح في بناء صورة إيجابية عن نفسها، تكسب احترام الشعوب قبل أن تكسب المصالح.

ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار ما حققه المغرب امتدادا لمسار أوسع عملت المملكة على ترسيخه خلال السنوات الأخيرة، من خلال تعزيز الحضور الثقافي والديني والاقتصادي في إفريقيا، والانفتاح على مختلف الشركاء الدوليين، وتقديم نموذج يقوم على الاعتدال والاستقرار والتنوع، فجاء المنتخب الوطني ليحول هذه القيم إلى مشاهد إنسانية مؤثرة، شاهدها مئات الملايين في مختلف أنحاء العالم.

لكن الرهان الحقيقي يبدأ بعد نهاية البطولة، ذلك أن القوة الناعمة لا تُقاس بلحظة عاطفية عابرة، وإنما بقدرة الدولة على تحويل التعاطف العالمي إلى مشاريع دائمة، واليوم، أصبح أمام المغرب رصيد معنوي هائل ينبغي استثماره في السياحة، والصناعة التقليدية، والصناعات الثقافية والإبداعية، والتعريف بالمطبخ المغربي، وتشجيع تصدير المنتجات الوطنية، وتعزيز تعليم اللغة العربية والأمازيغية والثقافة المغربية في الخارج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى