الرأي | لم يكن بونو حارسا للمرمى.. بل حارسا لأحلام المغاربة وفرحتهم


من هو ياسين بونو هذا الذي أبكى المغاربة في مقابلة المغرب وفرنسا؟ هذا الذي في عز المبارة وأثناءها دخلت إحدى نساء المغرب الوطنيات على صفحتها ووضعت بورتري تقول فيه إنني فخورة بك يا بونو.. ما كان لها لتقطع المشاهدة ويفيض صدرها كامرأة لتعبر له وهو يبعد خطر ضربة الجزاء بتلك الفنية عن شباك الوطن في لحظة حاسمة اهتزّت لها أنفاسنا فعبرت عن نفس الخلجات التي تدحرجت في نفوسنا، والفرق بيننا وبينها أنها خلدت اللحظة في صفحتها على “الفايسبوك”، فياسين بونو ليس مجرد حارس مرمى عادي في تاريخ كرة القدم المغربية، بل أصبح رمزا للهوية، والهدوء، والارتباط العميق بالجذور؛ فشخصيته المركبة تجمع بين الانضباط الأكاديمي، والدفء العائلي، والاعتزاز الثقافي، وهي التي جعلته يتربع على عرش قلوب المغاربة.
حقيقة أننا لا نفرق بين أي واحد من أسود الأطلس الذين من باب رد الجميل لهم جميعا، طاقما ومسيرين ومدربين وجامعة، للبلاء الحسن الذي أبلوه بوطنية وروح قتالية دفاعا عن القميص قل مثيلها، لكن طموح المغاربة كعادتهم في كل المعارك، يتجاوز أحيانا حدود الممكن، فلم نكتف بكل المراتب المشرفة جدا ونحن الأولون عربيا وإفريقيا، بل والمتقدمين في الصفوف السبعة الأولى عالميا، وهذا في حد ذاته فضل كبير لا يمكن أن ينسى لجميع اللاعبين مدربهم الجديد والقديم كذلك.
وليسمح لي كل الأسود أن أبدأ بسيرة ياسين، فلا فرق بين أصابع اليد الواحدة فكلهم أصحاب فضل وفرحة علينا دون استثناء، وكلهم أهل لذكر مناقبهم وسيرتهم، وإن كانوا جميعا لو خيروا يتقاسمون معنا حب هذا الفتى الذي وُلد في مونتريال بكندا عام 1991، لكنه عاد مع عائلته إلى الدار البيضاء (تحديداً حي بوسيجور)؛ هذا الحي الذي يقع بالقرب من الملاعب الرياضية والذي غالبا ما تنفس فيه وهو رضيع هواء كرة القدم المنبعث من الملاعب التي كتب لنا في بداية التسعينات أن نجتمع كل فجر في جنباتها في بداية حياتنا القضائية مع مجموعة من الزملاء وقدماء لاعبي الوداد لإجراء مباريات حبية، كما ذكر هذا الحي الجميل في دفاتر مذكرات للأستاذ عبد العزيز الفتحاوي، وحكاياته مع عمه أحمد، صاحب المغامرات في المذكرات.
فقد شكل هذا المقام ذاكرة حية لجميع البيضاويين بسوقه المعروف ومخبزته ونادي الفرنسيين الكاف، ومدرسة الساعات، ومخيمه المشهور الذي اكتسحته عمارات جميلة من حظ مكتبي المتواضع للمحاماة تواجده اليوم في جنباتها.
فمن هذا التراب بكل حمولاته انتقل الصغير إلى منطقة مرس السلطان ودرب بنجدية والعمارة التاريخية ذات الطوابق السبعة عشر، حيث يوجد متحف وسكنى المرحوم الموسيقار عبد الوهاب الدكالي.
ووسط هذه الدروب البيضاوية الجميلة التي كان الطفل المسجل في نادي الوداد يتلمس ذلك المستقبل الذي سوف يجعل منه أسطورة بعدما انتقل إلى فريق أتلتيكو مدريد وجيرونا ثم إشبيلية.. لتصقل موهبة شاب نشأ في جو عائلي أراد له والده ووالدته وأصدقاؤه أن يحتفظ بخاصيته المغربية وهو يؤدي صلاته بخشوع كلما حقق إنجازا ويتزوج ويستقر ويحن لوطنه حنين الطيور لأوكارها.
فهو المنتمي للطبقة المتوسطة المثقفة، والده مهندس دولة وأستاذ في مدرسة الأشغال العمومية؛ هذا المحيط الأكاديمي جعل عائلته تولي اهتماما صارما بمساره الدراسي.
في البداية، كان والده يرفض فكرة تفرغ ياسين لكرة القدم، أملا في أن يكمل مساره العلمي ويصبح مهندسا أو طبيبا، لدرجة أنه منعه من ممارسة الكرة لفترة خوفا على دراسته، لكن موهبة ياسين داخل أكاديمية نادي الوداد الرياضي فرضت نفسها، ليثبت لعائلته أن الشغف يمكن أن يصنع المعجزات.
علاقة بونو بعائلته هي تجسيد حي للقيم المغربية الأصيلة رغم صرامته الأولية، كان السند الخفي الذي غرس في ياسين الانضباط، والعمل الجاد، والتواضع؛ فالمشاهد التي طافت العالم لبونو وهو يعانق والدته ويقبل رأسها ويديها بعد كل انتصار تاريخي في مونديال قطر 2022، لم تكن مجرد احتفال، بل كانت رسالة اعتراف بفضل “رضى الوالدين” التي يؤمن بها المغاربة إيمانا عميقا.
رغم أنه يحمل الجنسية الكندية ويجيد اللغات الفرنسية، الإسبانية، والإنجليزية بطلاقة بحكم احترافه في أوروبا، إلا أنه ظل متشبثا بثقافته المغربية بشكل أذهل الجميع.
تجلى هذا الاعتزاز في أبهى صوره خلال الندوات الصحفية في كأس العالم، عندما يصر على التحدث باللغة العربية (وبالدارجة المغربية أحيانا)، رافضا التحدث بلغات أخرى رغم إتقانه لها، وموجها رسالة واضحة للمنظمين: “عدم توفركم على مترجم للعربية هي مشكلتكم وليست مشكلتي”.. هذا الموقف البسيط في ظاهره كان له وقع السحر، لأنه أعاد الاعتبار للغة والهوية في محفل عالمي.
وما يبهر المغاربة حقا في ياسين ليس فقط تصدياته الخرافية، بل تعبيراته الجسدية والنفسية؛ ففي أشد اللحظات توترا (مثل ضربات الجزاء ضد إسبانيا/مونديال 2022)، كان بونو يقف بابتسامة هادئة ومستفزة للخصوم في نفس الوقت. هذه الابتسامة تعكس ثباتا انفعاليا عاليا، وثقة عميقة بالنفس، أما العفوية العاطفية فقد تجلت في طريقة لعبه مع طفله على أرضية الملعب، وتعامله الإنساني مع زملائه، وأظهرت جانبا عاطفيا يعكس رجلا سويا، يضع العائلة في مرتبة توازي أو تفوق مجده الرياضي.
كان بونو من أبرز مجسدي مقولة المدرب وليد الركراكي “ديرو النية”، فطريقة حديثه في المقابلات تتسم بصدق شديد، ونكران للذات، حيث ينسب الفضل دائما للمجموعة، ولله، ولدعوات الجماهير، مستخدما مصطلحات قريبة من نبض الشارع المغربي.
في النهاية، يمكن القول أن بونو لم يخسر في تلك الليلة، بل كسب احترام وتقدير العالم أجمع، واحتل مكانة لا تُمس في قلوب المغاربة.
ستظل الأجيال القادمة تتذكر ياسين بونو ليس فقط كأفضل حارس في تاريخ المونديال، بل كالبطل الشعبي الذي حمل أحلام وطنه فوق كتفيه، وبكى لأن سعادة بسطاء وطنه كانت أغلى عنده من أي كأس ذهبية، فبونو لم يكن مجرد حارس لمرمى المغرب، بل كان حارسا لأحلام المغاربة وفرحتهم.



