الرأي | من ساحات الرباط إلى ملاعب المكسيك.. في بيولوجيا الدفاع عن الرمز والقميص


تنفس الصباح في الرباط يوم 29 يونيو على إيقاع ليس ككل الإيقاعات؛ فلم يكن مجرد بداية أسبوع روتينية، بل كان موعدا مع التاريخ أثثته حشود “أصحاب البدل السوداء”. وقف المحامون المغاربة في وقفة مهيبة، يذودون بـ”استماتة” عن استقلاليتهم، وحصانة مهنتهم، وحقوق المواطن في عدالة منصفة، سموها وقفة الوجود والصمود، جماهيرهم كانت الملايين الذين ينشدون العدالة ويؤمنون باستقلاليتها، ويتعاطف معهم كل متعطش لقيم العدل والإنصاف، كما تعاطفت معهم كل المنظمات الحقوقية المنافحة عن حقوق الإنسان وطنيا ودوليا.
وفي ذات اليوم، لم تكن تحت سماء المكسيك البعيدة، في عتمة ليلها وحيدة، بل كانت القلوب المغربية تخفق على إيقاع آخر من الاستماتة: أسود الأطلس يركضون بعرقهم ودمائهم للدفاع عن قميص وطني يختزل أحلام أمة بكاملها.
فبين بياض بهو المحاكم في العاصمة وكل المدن المغربية الخالية من البدلة السوداء صباحا واسوداد ساحة البرلمان، وخضرة المستطيل الأخضر في المكسيك ليلا، ثمة خيط ناظم خفي لا يراه إلا من يدرك “الجينوم” الثقافي والنضالي للإنسان المغربي؛ إنه جين الحرية والأنفة، ورفض التنازل عن الرمز.
إن البدلة السوداء للمحامي ليست مجرد زي مهني، بل هي كفن الظلم ودرع المظلوم.. تاريخ طويل من الدفاع عن الحقوق والحريات صاغه رجالات ونساء الحركة الوطنية.. وفي المقابل، فإن قميص المنتخب ليس مجرد قماش رياضي، بل هو راية ثانية تلتف حول أجساد اللاعبين وتختزل سيادة الأمة وشغفها.
وفي كلا المشهدين.. رأينا مواجهة حاسمة.
المحامي في الرباط يواجه نصوصا وتحديات تشريعية يراها تضيق على رسالته الكونية، واللاعب في المكسيك يواجه خصما عنيدا وضغوطات رقعة الملعب وعوامل الطقس المختلفة، لكن السلاح كان واحدا: الاستماتة المستندة إلى مشروعية الوجود.
هذا التلاحم الإنساني يعيدنا إلى ما قاله الفيلسوف الوجودي ألبير كامو، الذي زاوج في حياته بين عشق كرة القدم وعمق الفلسفة، حين كتب: “كل ما أعرفه يقينا عن الأخلاق والالتزامات، أدين به لملعب كرة القدم؛ فالملعب كالمحكمة، يلقنك أن تلعب بنزاهة وتدافع عن فريقك حتى الرمق الأخير”.
المغاربة لا يحسنون اللعب أو النضال بدم بارد؛ إنهم يحتاجون دائما إلى “قضية” يدافعون عنها.
وتاريخيا، كانت هيئات المحامين بالمغرب دائما قلاعا حصينة لمقاومة الوصاية، ومشتلا للفكر التحرري والدفاع عن كرامة المواطن والمؤسسات. هذه الروح هي ذاتها “الغرينتا” (Grinta)، هذا المصطلح الإيطالي الذي دخل لغة العالم للتعبير عن الروح القتالية للذين يقدمون أقصى طاقاتهم بروح عالية؛ فهي الروح التي حركت أقدام الأسود في المكسيك، مستحضرين إرث مونديال 1970 و1986، بالمكسيك أيضا، امتدادا لملحمة 2022.
هذا الوعي الجماعي بالذات واستقلاليتها هو ما أشار إليه المفكر المغربي عبد الله العروي في أطروحاته حول الوعي التاريخي والمفهوم المغربي للحرية؛ فالاستقلالية ليست ترفا، بل هي شرط وجود.
والمحامي هنا يمثل “المثقف العضوي” الذي وصفه إدوارد سعيد بقوله: “المثقف هو الذات التي لا يمكن إقحامها بسهولة في قالب مؤسساتي جامد؛ إن مهمته الأساسية هي قول الحقيقة للسلطة والدفاع عن استقلالية موقفه”..
لقد كانت ملحمة الإثنين-الثلاثاء تجسد مرافعة في الصباح.. وهجوما في الليل، عبر عنه مدرب هولندا بجملة وجيزة وموضوعية بعد انتهاء المباراة: “لم أدر كيف لعب كل لاعب مغربي باستماتته المشهودة وكأن المباراة هي آخر مبارياته”. لقد كانت الروح القتالية فريدة من نوعها أجبرت الرياضة العالمية على الاعتراف بقوة أسود الأطلس.
في الرباط، كانت المرافعة بالكلمة والشعار، بالوقوف الحازم والكتف بالكتف لحماية “حصانة الدفاع” ولم تبق بدلة سوداء واحدة في المغرب في دولابها أو مكتبها، كما في المكسيك، كانت المرافعة بالتكتيك، والركض، والاستبسال في استرجاع الكرات والذود عن المرمى، فكلا الميدانين احتاجا لنفس الصفات: الانضباط، روح الفريق، والإيمان بالهدف.
فالفريق الذي لا يملك روح القميص، يسقط في رقعة الميدان قبل أن تبدأ المباراة،
والمحامي الذي لا يملك الحرية والاستقلال المادي والتحرر الفكري وحصانة المرافعة والقيم النبيلة للعدالة والشجاعة الأدبية وقوة اللسان وسحر البيان، يخسر القضية قبل أن تبدأ المحاكمة.
إن مغرب اليوم هو ذلك الكل المتكامل الذي لا يتجزأ؛ حيث يتناغم سواد بدلة المحامي الحامل لنور الحق والعدالة، مع ألوان قميص الأسود الحامل لراية المجد الرياضي.
لقد أثبتت هذه المواعيد أن الشعوب الحية هي التي تتقن الدفاع عن حصونها بذات الشغف: صباح الرباط المشتعل بالكرامة مهد الطريق لمساء المكسيك المضاء بالبطولة والاستبسال، فكلاهما في محراب الوطن مدافعون.. “وَكَأَنَّ الشَّمسَ المُنيرَةَ إِذ لاحَت لَنا.. وَالصَباحُ كانَ مَثيلا” كما قال الشاعر الضرير بشار بن برد وهو يصف معشوقته وجمالها الباهر وإشراقها الأخاذ، ويشبهها بالشمس المنيرة عند ظهورها، فكذلك كان صبح جميع المغاربة والعرب والمحبين لبلدنا إشراقا ونقاء وفرحة وضياء، كان شبيها لمعشوقتينا الجميلتين في المكسيك وأمام البرلمان.



