الرأي

الرأي | العمل.. بين الإخلاص والواجب المهني والأجرة المادية

الحسن العبد
بقلم: ذ. الحسن العبد

  من سنن الله في العمران البشري أن تقوم الأمم على جهود رجال ونساء يحملون رسالة العلم والتربية والثقافة، فينيرون العقول، ويهذبون النفوس، ويحفظون هوية المجتمع وقيمه.. ولقد كان العلماء والمربون والمصلحون عبر التاريخ من أكثر الناس عطاء وأشدهم إحساسا بالمسؤولية، إذ كانوا يعتبرون ما يقدمونه من علم وتوجيه وتربية، عبادة يتقربون بها إلى الله قبل أن يكون عملا يطلبون منه منفعة دنيوية.

وفي عصرنا الحاضر، أصبحت معظم الأعمال العلمية والتربوية والثقافية مرتبطة بمؤسسات رسمية وقوانين تنظيمية ورواتب وتعويضات مالية، وهو أمر طبيعي ومشروع يضمن الاستقرار المهني ويشجع على التفرغ والإنتاج، غير أن هذا الواقع يثير أسئلة مهمة حول العلاقة بين الرسالة والأجرة، وبين الإخلاص والمصلحة، وبين حق الفرد في التعويض وحق المجتمع في عدالة توزيع الفرص والمسؤوليات.

تتمة المقال تحت الإعلان

بين الأجر الدنيوي والأجر الأخروي

تتمة المقال تحت الإعلان

 الأصل أن الإسلام لا يعارض حصول الإنسان على أجر مقابل عمله المشروع، بل جعل العامل مستحقا لأجره، وأمر بإعطائه حقه كاملا غير منقوص، لذلك فإن الأستاذ الجامعي أو الباحث أو الخطيب أو الواعظ أو المؤطر الثقافي الذي يتقاضى راتبا أو تعويضا مقابل عمله، لا يسقط بذلك أجره عند الله ما دامت نيته سليمة وعمله متقنا، فالإخلاص ليس نقيض الأجرة، وإنما نقيض الرياء والمتاجرة بالرسالة، وقد يجتمع للإنسان أجران: أجر دنيوي مشروع يعيش منه ويحفظ كرامته، وأجر أخروي عظيم يناله بإخلاصه وإحسانه وخدمته للناس.

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي المقابل، قد يؤدي شخص عملا تطوعيا ظاهره الخير لكنه يطلب به السمعة أو المكانة أو المصالح الخاصة، فلا يكون التطوع وحده دليلا على القبول، ولذلك تبقى النيات عند الله وحده، وهو سبحانه الأعلم بمن قصد وجهه ومن قصد غيره.

حين تتحول الرسالة إلى مجرد مورد مالي

ومع التسليم بمشروعية الأجرة، فإن الخطر الحقيقي يظهر عندما تتحول بعض المهام العلمية أو التربوية أو الدعوية إلى مجرد وسائل لتحصيل التعويضات والمكافآت، فيضعف الشعور بالرسالة ويغيب البعد الأخلاقي والإنساني للعمل.

فالعلم ليس سلعة محضة، والتربية ليست وظيفة تقنية فقط، والدعوة ليست نشاطا إداريا مجردا.. إنها مسؤولية أمام الله وأمام المجتمع وأمام الأجيال القادمة.

من هنا، فإن الواجب يقتضي على كل من يتولى هذه المهام، أن يراجع نفسه باستمرار، وأن يسألها: هل أؤدي ما أتقاضى عليه حق الأداء؟ وهل أبذل من الجهد ما يبرر ما أحصل عليه من أجرة؟ وهل أحرص على خدمة الناس، أم على خدمة مصلحتي الشخصية فقط؟ فالإخلاص لا يظهر في كثرة المناصب، وإنما في جودة الأداء، وحسن الخلق، والصدق في خدمة الناس، والوفاء للأمانة الملقاة على عاتق الإنسان.

ظاهرة تعدد المناصب والمهام وتعويضاتها

ومن القضايا التي تستحق نقاشا هادئا ومسؤولا، ظاهرة جمع بعض الأشخاص بين عدد كبير من الوظائف والمهام والتعويضات في الوقت نفسه، حيث نجد شخصا واحدا، أستاذا جامعيا وعضوا في مؤسسة علمية، وخطيبا، وواعظا، ومؤطرا، وعضوا في لجان وهيئات متعددة، ومستفيدا من تعويضات مختلفة ومتراكمة.. لكن السؤال المطروح: هل يستطيع شخص واحد أن يؤدي كل هذه المهام بالكفاءة المطلوبة؟ وهل من المصلحة العامة أن تتركز فرص العطاء والتمثيل والمسؤولية في أيدي عدد محدود من الأشخاص بينما توجد طاقات وكفاءات أخرى تنتظر فرصة للمساهمة وخدمة المجتمع ؟

إن العدالة لا تعني حرمان الأكفاء من مواقعهم، ولكنها تعني توسيع دائرة المشاركة، وإعطاء الفرصة للوجوه الجديدة والكفاءات الصادقة، حتى يستفيد المجتمع من جميع طاقاته البشرية والفكرية.

حلول عملية لتحقيق التوازن

إن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بالشعارات ولا بالمزايدات، وإنما من خلال إجراءات عملية ومتوازنة، منها:

+ ترسيخ ثقافة الإخلاص وخدمة الصالح العام قبل البحث عن المكاسب المادية؛

+ اعتماد معايير واضحة وشفافة في إسناد المسؤوليات والمهام؛

+ الحرص على التداول على بعض المناصب والوظائف التمثيلية حتى تتاح الفرصة لأكبر عدد من الكفاءات؛

+ تقييم الأداء الفعلي لكل مسؤول أو مؤطر أو عضو في مؤسسة، وربط الاستمرار في المهام بمدى الإنتاج والعطاء؛

+ تشجيع العمل التطوعي الموازي للعمل الوظيفي، حتى تبقى روح الرسالة حاضرة إلى جانب الواجب المهني؛

+ فتح المجال أمام الشباب والكفاءات الجديدة للمشاركة في المجالات العلمية والتربوية والثقافية والدعوية؛

+ الحد من احتكار المسؤوليات المتشابهة متى ثبت أن ذلك يحرم المجتمع من طاقات أخرى قادرة على العطاء.

إن المجتمع الذي يوزع الفرص بعدل هو مجتمع يوسع دائرة الخير ويضاعف الإنتاج ويمنح الجميع الشعور بالمشاركة والانتماء، فالعمل العلمي والتربوي والثقافي والدعوي سيظل من أشرف الأعمال وأعظمها أثرا في حياة الأمم، سواء كان تطوعا خالصا أو عملا مؤدى عنه بأجرة مشروعة، غير أن القيمة الحقيقية لهذه الأعمال لا تقاس بحجم التعويضات ولا بعدد المناصب، وإنما بمقدار الإخلاص فيها، وبحجم النفع الذي تحققه للناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى