الرأي | وظيفة الثقافة والفن


أثارني هذه السنة في المعرض الدولي للكتاب، الإقبال الكبير الذي شهده المعرض من طرف العنصر النسوي وتساءلت فيما إذا كان الرجل قد بدأ يترك المجال الثقافي شيئا فشيئا لفائدة المرأة كما وقع في عدة مجالات..
فقد لاحظت أن النساء هن اللواتي يصطحبن الأطفال، ولاحظت إصدارات النساء وتكريمهن، ومداخلات نسوية وزياراتهن المتعددة للأروقة وشرائهن للكتب والتوقيع عليها، والحضور للمداخلات والندوات، ولو قدر للمعرض أن يعطي إحصائيات مضبوطة.. لفضحت الأرقام غياب الرجل الثقافي.
وقد حظيت الثقافة عند المرأة في العالم بأهمية بالغة منذ القدم، وعبر كافة المجتمعات، ولا يمكن اليوم تصور تنمية دون ثقافة تحميها وتؤطرها.
ويصبح التساؤل المطروح عما إذا أصبحت هذه المسؤولية على عاتق المرأة وحدها بعد استقالة الرجل وتفرغه لمجالات وميادين أخرى ربما أقرب إلى الماديات منها إلى المعنويات؟ لكن الذي يغيب عنه أن الفكر هو الذي يأتي بالمال بينما المال لا يمكنه أن يأتي بالفكر.
فبدون تعلم وثقافة وانكباب على عالم الفنون، لا يمكن أن نخلق أجيالا مكتملة التكوين، ومن تم فإن الحديث عن دور الثقافة في التنمية يمثل نقلة جوهرية في الفكر الإنساني والسياسي الحديث؛ فبعد عقود من اختزال “التنمية” في المؤشرات الاقتصادية الصرفة (كالناتج المحلي الإجمالي، البنى التحتية، والميزان التجاري..)، أدرك العالم من خلال منظمات كبرى كـ”اليونسكو”، أن التنمية بلا ثقافة هي نمو بلا روح، ولا يمكن أن يكتب لها الاستدامة، كما أن التاريخ أثبت أن السياسة ترسم الحدود، والاقتصاد يبني الأسواق، لكن الثقافة هي التي تصنع “المجتمع”.
إن كل تشريع قانوني عظيم، وكل قفزة حقوقية في تاريخ البشرية، كانت تسبقها دائما حركة ثقافية (كتاب، لوحة، قصيدة، مسرحية، أو صالون أدبي) تهيئ عقول الناس لتقبل هذا التغيير والانتقال إلى نموذج اجتماعي أكثر وأرقى.
وأكبر دليل على ذلك تاريخيا، مسلة حمورابي أو قوانين حمورابي، التي وُضعت في بابل حوالي عام 1750 قبل الميلاد، وهي واحدة من أعظم النقلات الثقافية والتشريعية في التاريخ القديم.
فلم يكن حمورابي مجرد قائد عسكري وسّع حدود مملكته بالسيف، بل كان رجل دولة عبقريا أدرك أن السلاح يبني إمبراطورية، لكن القانون والثقافة هما الفارق الوحيد لضمان ازدهارها واستمرارها .
قبل حمورابي، كانت القوانين مشتتة، تختلف من مدينة إلى أخرى، وتعتمد على الأعراف الشفهية التي يسهل التلاعب بها، لكن بوضعه لهذه الشريعة، حقق حمورابي طفرة شاملة قادت مملكته إلى العصر الذهبي من خلال عدة آليات محورها “مأسسة العدالة وثقافة القانون”، مما أدى إلى تحقيق الاستقرار المجتمعي وتوحيد الهوية عندما توسعت المملكة البابلية، فأصبحت تضم شعوبا وقبائل وثقافات متعددة ومتباينة.
ونتج عن ذلك صهر المجتمعات لما وحّد حمورابي هذه الشعوب تحت “مرجعية قانونية واحدة”، فأصبح الجميع، من الخليج العربي إلى الشام، يخضعون لنفس الأحكام.
فبابل لم تزدهر لأنها كانت الأقوى عسكريا، بل لأن حمورابي حوّلها من مجرد “دولة جيش” إلى “دولة قانون” بفضل الثقافة والمثقفين، وكما فعل ديغول في القرن العشرين.
لقد ثبت عبر التاريخ، أن الاستثمار في الرأسمال القانوني والثقافي، وتثبيت مبدأ الحوكمة وتوثيق العقود، هو الحصن الحقيقي الذي يحمي الاقتصاد، ويفجر الطاقات الإبداعية للمجتمع، ويضمن استدامة الحضارات، وبفضل مسلة حمورابي، تحول اسم “بابل” في الذاكرة الإنسانية إلى مرادف للمدنية والتحضر؛ فعندما تقترن الثقافة بالفن، فإنها تصبح سلطة ناعمة قادرة على إعادة صياغة الوجدان وتحدي المنظومات الجامدة: فالفن هو الروح، والثقافة هي العقل، ولا يمكن لجسد المجتمع أن يستقيم دون توازنهما.
كما كانت تقول الفيلسوفة سيمون دي بوفوار، وكما أكدت سوزان سونتاغ، الناقدة والمثقفة الأمريكية، فإن وظيفة الثقافة والفن ليست تقديم إجابات سهلة، بل طرح أسئلة عميقة تهز الركود القانوني والاجتماعي.
وهي لعمري وظائف لا ينبغي للرجل أن يستقيل منها ولو لحساب المرأة، لأنه لا يمكن تصور تنمية أي مجتمع إلا بتقاسم الجهود والتضحيات بين الجنسين كما في مؤسسة الزواج، فلا يمكن أن يبنى بيت أو يصلح نشء بيد واحدة، وكذلك الثقافة والتنمية والمجتمع.



