الرأي | الحروب.. الثقب الأسود الذي يبتلع مقدرات الأمم


تعد رواية “وداعا للسلاح” (A Farewell to Arms) للكاتب الأمريكي إرنست هيمنجواي، من كلاسيكيات الأدب العالمي التي تزخر بالتأملات العميقة حول الحرب، الحب، والقدر المحتوم..
بأسلوبه السهل الممتنع، قدم إرنست هيمنجواي حِكَما ومقولات أصبحت أيقونية في الأدب؛ ففي هذه الرواية جسد الكاتب العجز الإنساني أمام آلة الحرب، حيث تنتهي قصة الحب بالفقد، مؤكدة أن الحرب تكسر الجميع، والبعض يصبح قويا في الأماكن المكسورة، وفي رواية “لمن تقرع الأجراس”، تحدث كذلك همنغواي عن الحرب الأهلية الإسبانية، مركزا على فقدان الهوية والخراب الذي يلحق بالروح البشرية عندما يقتل الإنسان أخاه الإنسان.
وبذلك كانت الحروب عبر التاريخ الإنساني ذلكم الثقب الأسود الذي يبتلع مقدرات الأمم، ويقضي على تقدمها ويرجع بها إلى الوراء عقودا من الزمن في التخلف والخسارات.
وقد أسفرت النزاعات الكبرى على مآسي تتجاوز مجرد أرقام في سجلات التاريخ، لتشكل ندوبا في جسد البشرية عصية الشفاء، وإذا رجعنا إلى التاريخ ورصدنا هول الخسارات.. لتساءل إنسان القرن 21 هل لم تستفد الإنسانية من دروس الماضي القريب والتي لا تزال أثارها المادية والمعنوية، رغم مرور قرابة قرن من الزمان، حاضرة تؤرق الضمير الإنساني ؟
ولو رجعنا إلى سجل الأرقام.. لوجدناه قد سجل بصفة تقريبية رصدا لأضخم الخسارات التاريخية والمعاصرة مقسمة حسب القطاعات:
1) الخسارات في الأرواح (الفاتورة البشرية): شهد القرن العشرين والحادي والعشرين، أرقاما مرعبة تعكس عبثية الصدام المسلح؛ ففي الحرب العالمية الأولى: قدّر عدد الضحايا بحوالي 20 مليون قتيل و21 مليون جريح، والحرب العالمية الثانية، بـ 70 إلى 85 مليون قتيل (حوالي 3 % من سكان العالم آنذاك)،
وفي النزاعات الإقليمية الحديثة، تشير التقارير الدولية إلى أن النزاعات في الشرق الأوسط وإفريقيا خلال العقدين الأخيرين، حصدت أرواح الملايين، مع الإشارة إلى أن مدنيا واحدا يقتل مقابل كل عسكري في الحروب الحديثة.
2) الخسارات في المال والعتاد (الفاتورة الاقتصادية)، حيث تُحرق الأموال في ساحات المعارك بدلا من استثمارها في الرفاه:
+ التكلفة المباشرة: قُدرت تكلفة الحرب العالمية الثانية بحوالي 4 تريليون دولار (بقيمة العملة اليوم)؛
+ الإنفاق العسكري العالمي: تجاوز الإنفاق العسكري العالمي سنة 2023 حاجز 2.4 تريليون دولار سنويا، وهو رقم كان كفيلا بإنهاء الجوع والفقر في العالم لعدة مرات؛
+ تبديد العتاد: تُدمر في الحروب آلاف الطائرات والدبابات التي تكلف الواحدة منها ملايين الدولارات، وهي ثروات مستقطعة من ضرائب الشعوب وجهدهم.
أضف إلى هذا ما تشهده الحروب اليوم بعد ظهور الصواريخ الباليستية والمسيرات وشبكات الرادارات المتطورة والقبات الحديدية، ومطاردات الصواريخ.. وكلها ظهرت في حرب الخليج التي نشهدها اليوم والتي ستحتسب فاتورتها بعد انتهاء هذه الحرب، وربما ستكون قيمتها مقارنة بفاتورات الأسلحة التقليدية القديمة، مضاعفة بأرقام خيالية.
3) التنمية والفرص الضائعة (التكلفة الخفية): هذه الخسارة هي الأشد فتكا، لأنها تمتد للأجيال القادمة، وتُعرف بـ”الفرصة البديلة”، حيث تراجع مؤشر التنمية البشرية؛ فالحروب تعيد الدول عقودا إلى الوراء. مثلا خسرت بعض دول النزاع ما يعادل 30 سنة من التطور في مجالات التعليم والصحة، ناهيكم عن هجرة الأدمغة وهروبها؛ فالحرب تدفع الكفاءات (أطباء، مهندسون، علماء) للهجرة، مما يفرغ الأوطان من قوتها الفكرية، أما دمار البنية التحتية، فإعادة إعمار المدن المدمرة يتطلب ميزانيات تفوق ميزانيات إنشائها بعدة مرات، مما يرهق ميزانيات الدول بالديون الطويلة الأمد، وقد لجأت بعض الدراسات إلى إنشاء جدول مقارنة لخسارات الحروب الكبرى حسب (تقدير تقريبي) أفاد بأن: الحرب العالمية الأولى: “20 مليونا/ 400 مليار دولار، سقوط إمبراطوريات، وإعادة رسم الخريطة”، الحرب العالمية الثانية: “80 مليونا/ 4 تريليون دولار، دمار شامل لأوروبا واليابان”، حرب الفيتنام: 3.5 ملايين/ 1 تريليون دولار، استنزاف اقتصادي حاد لأمريكا والفيتنام..
كما عرفت نزاعات الشرق الأوسط خسارة الملايين (مباشر وغير مباشر)، أي تريليونات الدولارات، وتفتت النسيج الاجتماعي وضياع أجيال..
وبالرغم من كل هذه الخسارات البشرية والاقتصادية، لم يتعظ الإنسان ولم يأخذ العبرة، وتبخرت كل تلك القيم، التي حاول الحكماء من السياسيين والأدباء والمفكرين ترسيخها، أمام استعراض نفس الإنسان لعضلات تفوقه فيما يفني البشر في غياب الوازع الديني والأخلاقي، الذي يحرم على الإنسان قتل أخيه الإنسان أو تجويعه أو القضاء على فرص ازدهاره وتفوقه والعمل على سلامة أرضه وبيئته، التي تئن اليوم من زعزعة أركانها بأطنان من المتفجرات التي اخترعها يوما ألفريد نوبل، الذي كان يؤمن بنظرية “الردع”، أي أن قوة السلاح التدميرية ستجعل الجيوش تخاف من الحرب، مما سيؤدي إلى سلام دائم، وهو الذي قال ذات مرة: “في اليوم الذي يستطيع فيه فيلقان من الجيش إبادة أحدهما الآخر في ثانية واحدة، ستتراجع كل الأمم المتحضرة عن الحرب وتسرح جنودها”.



