المنبر الحر

المنبر الحر | الجزائر بين ارتدادات الحرب الإيرانية والصمت الدبلوماسي

عبده حقي
بقلم: عبده حقي

 مما لا شك فيه أن مواقف الدول لا تُقاس بما تقوله فقط، بل بما تختار أن تصمت عنه؛ فالصمت في السياسة ليس دائما حيادا، بل لغة من لغات الحكمة أو الخوف أو الحذر أو حسابات الاستمرارية.. هذا ما يمكن ملاحظته بوضوح في الموقف الجزائري من التطورات المتسارعة المرتبطة بالحرب الدائرة حول إيران، والتي أخذت في الأيام الأخيرة أبعادا جيوسياسية عميقة بعد الضربات التي طالت إيران وتصاعد التوتر بين طهران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج من جهة أخرى.

فالجزائر، التي اعتادت أن ترفع شعارات الممانعة والدفاع عن قضايا المعسكر المناهض للغرب، تبدو اليوم وكأنها تمشي على حبل بهلواني رفيع بين خطابها الإيديولوجي التقليدي وبين حسابات الواقع الدولي الجديد، ومن هنا يبرز سؤال محوري: لماذا التزمت الجزائر هذا الصمت الحذر تجاه ما يجري في إيران؟ وما هي التداعيات المحتملة لهذه الحرب على الوضع الداخلي في الجزائر ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

منذ سنوات طويلة نسجت الجزائر علاقات سياسية وأمنية مع إيران في إطار ما يمكن تسميته بتحالفات الظل داخل ما يعرف بمحور مناهضة النفوذ الغربي في المنطقة، ورغم أن هذه العلاقة لم تكن معلنة بوضوح، فإنها ظلت حاضرة في خلفية التوازنات الإقليمية، سواء عبر التنسيق الدبلوماسي أو عبر تقاطع المواقف في بعض الملفات الدولية.

تتمة المقال تحت الإعلان

لكن ما يجري اليوم يختلف عن كل ما سبق؛ فالحرب ضد إيران ليست مجرد أزمة إقليمية عابرة، بل تبدو أقرب إلى إعادة رسم لخريطة النفوذ في الشرق الأوسط، ومع سقوط بعض الرموز السياسية الكبرى في النظام الإيراني وتزايد الضغوط الدولية، أصبح واضحا أن العالم يدخل مرحلة جديدة من إعادة توزيع القوة في العلاقات الدولية، خصوصا مع الصين وروسيا.

تتمة المقال تحت الإعلان

في هذا السياق، تجد الجزائر نفسها في وضع دقيق لا تحسد عليه؛ فهي من جهة لا تريد أن تخسر علاقاتها التاريخية مع إيران، التي كانت تُقدم لها في بعض اللحظات كحليف سياسي في مواجهة الضغوط الغربية، ومن جهة أخرى تدرك أن ميزان القوى العالمي لا يسمح لها بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة أو أوروبا، خاصة في ظل اعتماد الاقتصاد الجزائري الكبير على صادرات الطاقة إلى الأسواق الغربية.

ولهذا السبب ربما اختار الرئيس الجزائري سياسة النعامة والصمت المريب؛ فالتصريحات الرسمية الجزائرية حول الحرب الإيرانية تكاد تكون غائبة أو شديدة الحذر وكأن الدولة تراقب المشهد من بعيد، محاولة تفادي أي موقف قد يُفسر كاصطفاف واضح في هذا الصراع الدولي الحاد.

غير أن هذا الصمت لا يعني أن الجزائر بمنأى عن تداعيات الحرب، بل هناك عدة سيناريوهات محتملة قد تجعلها من أكثر الدول المتأثرة بهذه التطورات، أولها يتعلق بالوضع الاقتصادي؛ فالحروب الكبرى في الشرق الأوسط غالبا ما تؤدي إلى اضطرابات في أسواق الطاقة العالمية، ورغم أن الجزائر قد تستفيد على المدى القصير من ارتفاع أسعار النفط والغاز، فإن هذه الفائدة تبقى هشة ومؤقتة، لأنها قد تترافق مع اضطرابات مالية عالمية، أو تراجع الطلب في حال دخول الاقتصاد الدولي مرحلة ركود، وثاني السيناريوهات يرتبط بالتوازنات الأمنية في المنطقة المغاربية والساحل الإفريقي؛ فإضعاف إيران قد يؤدي إلى إعادة تشكيل شبكة التحالفات الإقليمية، وهو ما قد يدفع بعض القوى الدولية إلى تعزيز حضورها في مناطق مثل الساحل والصحراء، وهي مناطق تعتبرها الجزائر مجالا استراتيجيا لنفوذها التقليدي.

السيناريو الثالث طابعه سياسي داخلي؛ فالأنظمة السياسية التي بنت جزء من خطابها على فكرتي “الممانعة” و”المعسكر المقاوم للهيمنة الغربية”، قد تجد نفسها في مأزق إيديولوجي إذا انهار أحد أبرز رموز هذا المعسكر، وهذا ما قد يضع السلطة الجزائرية أمام تحدي إعادة صياغة خطابها السياسي بما يتناسب مع الواقع الدولي الجديد، بينما السيناريو الأكثر حساسية هو ما يتعلق بالعلاقات مع واشنطن، فالولايات المتحدة ما تزال تمثل قوة مركزية في النظام الدولي، وأي دولة تحاول الاصطفاف بشكل واضح ضدها، قد تجد نفسها أمام ضغوط سياسية واقتصادية كبيرة، ومن هنا يمكن فهم الحذر الجزائري، وربما حتى التخوف من اتخاذ موقف صريح قد يضعها في مواجهة مباشرة مع الإدارة الأمريكية.

فما يحدث اليوم يكشف مرة أخرى عن مفارقة عميقة في السياسة الدولية؛ فالدول التي ترفع شعارات الحيادية السلبية تجد نفسها أحيانا مضطرة لممارسة دبلوماسية الصمت عندما تتغير موازين القوى العالمية، والجزائر ليست استثناءً من هذه القاعدة، ففي عالم تحكمه المصالح، يصبح الانكماش في المنطقة الرمادية أحيانا خيارا سياسيا انهزاميا، لكن المشكلة أن هذه المنطقة الرمادية لا تدوم طويلا، لأن التاريخ في لحظات التحول الكبرى، يفرض على الدول أن تختار موقعها في الخريطة الجديدة للقوة؛ ففي مثل هذه اللحظات، لا يكون الصمت مجرد موقف دبلوماسي، بل علامة على قلق عميق من مستقبل لم تتضح معالمه بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى