الرأي

الرأي | النموذج الديني المغربي في عالم تتلاطمه الأمواج

عبد الله بوصوف
بقلم: عبد الله بوصوف

 إن الحديث الذي يتجدد مع بداية كل شهر رمضان حول السدل في الصلاة، أو حول قراءة القرآن برواية ورش أو حفص، ليس نقاشا ثانويا أو تفصيليا كما قد يتوهم البعض، بل هو في عمقه مرتبط بالاختيارات الكبرى التي حسمها المغاربة منذ قرون في ما يتعلق بنمط تدينهم وهويتهم الدينية.

فالنموذج الديني المغربي لم يُفرض يوما من الخارج، ولم يكن استنساخا لتجربة جاهزة في المشرق أو غيره، بل كان ثمرة اختيار حرّ نابع من إرادة جماعية، بلوره المغاربة بأنفسهم استنادا إلى حاجياتهم الاجتماعية والثقافية، وما ينسجم مع خصوصياتهم التاريخية والحضارية. لقد أخضعوا تدينهم لمنطقهم الخاص، وصاغوه وفق رؤيتهم المتوازنة للدين والدنيا.

في الفقه، اختار المغاربة مذهب إمام دار الهجرة، مالك بن أنس، لما يمثله من ارتباط عضوي بعمل أهل المدينة، باعتباره امتدادا عمليا للسنة النبوية؛ فالمدينة المنورة حيث عاش الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، شكلت فضاءً حيا لتجسيد السنة قولا وعملا، وهو ما اعتبره الإمام مالك تواترا عمليا يغني عن كثرة الروايات، لذلك اكتفى في كتابه “الموطأ” بعدد محدود من الأحاديث المرفوعة، وأغنى مذهبه بالاعتماد على العمل المستمر لأهل المدينة باعتباره تعبيرا حيا عن الهدي النبوي.

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي مجال القراءات، اختار المغاربة رواية ورش عن نافع، ارتباطا أيضا بالمدينة المنورة، مهبط الوحي وفضاء تشكل الأداء القرآني الأول؛ فقراءة نافع المدني، التي نقلها عنه تلميذه ورش، تمثل امتدادا لذلك الأداء المدني المتوارث، وهو اختيار يعكس وعيا بضرورة الحفاظ على الصلة الرمزية والروحية بالمصدر الأول للتنزيل.

تتمة المقال تحت الإعلان

أما في العقيدة، فقد توجه المغاربة نحو مدرسة الإمام أبو الحسن الأشعري، الذي خَبِرَ الجدل الكلامي في العراق، وعاش تجربة الاعتزال أربعين سنة قبل أن يؤسس مذهبه القائم على التوفيق بين العقل والنقل. لقد جمع الأشعري بين البرهان العقلي والنص الشرعي، ومارس التأويل المنضبط دفاعا عن عقيدة أهل السنة، فكان اختياره تعبيرا عن ميل إلى الاعتدال الفكري وتجنب الانزلاقات العقدية، سواء نحو التشدد الحرفي أو الغلو العقلي.

وفي السلوك والتزكية، انحاز المغاربة إلى التصوف السني الذي أسسه الإمام الجنيد البغدادي، وهو تصوف قائم على العلم والعمل، وعلى الجمع بين الشريعة والحقيقة، ولم يكن التصوف في المغرب يوما انسحابا من الواقع، بل كان تربية روحية تسند العمران، وتُهذّب السلوك، وتربط الإيمان بالمسؤولية المجتمعية.

لقد تشكل هذا البناء الديني المركب – مالكيا في الفقه، أشعريا في العقيدة، وجنيديا في السلوك – عن وعي عميق بمخاطر الانزلاق والانحراف، فكان لا بد من سندٍ سياسي يحميه ويصونه، ومن هنا ارتبط هذا الاختيار بنظام إمارة المؤمنين، باعتباره إطارا ضامنا لوحدة الملة والدين، وحصنا ضد الغلو والتطرف والتوظيف الإيديولوجي للدين.

إن استمرار هذا النموذج لقرون طويلة، وقدرته على إنتاج أجوبة متجددة في كل عصر، يتجلى في اجتهادات علماء فاس ومراكش وسوس وغرناطة، وفي ما عُرف بعمل أهل هذه الأمصار، مما مكّن المغرب من الحفاظ على توازنه الديني ومناعته الفكرية. وقد أثبت هذا النموذج قدرته على مواجهة تحديات العصر، من إرهاب وتطرف ومزايدات إيديولوجية، بفضل ما يقوم عليه من وسطية واعتدال واحترام للآخر.

إن تمسك المغاربة بهذا النموذج ليس تعصبا للماضي، بل هو وعيٌ بأنه شكل، عبر التاريخ، مركب نجاة في عالم تتلاطمه أمواج الغلو والعنف.. إنه اختيار حضاري متجذر، يجمع بين الأصالة والتجديد، ويؤسس لتدين متوازن يحفظ الثوابت وينفتح على العصر في آن واحد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى