الرأي | مرافعة إميل زولا ومحاميه لا بوري.. “أنا أتهم”


المرافعة كما هو معلوم يمكن أن تكون كتابية كما يمكن أن تكون شفاهية، والكتابية تكون أقرب من المذكرة المقروءة، سواء في الملفات القضائية أو المنشورة في الكتب والمجلات أو على صفحات الجرائد والمنشورات، أما الشفوية فهي أقرب إلى الخطابة، حيث تغلب عليها الفصاحة وشخصية وصوت ووزن وثقافة المترافع الذي يؤثر على المشهد، سواء كان قضائيا كما هو الشأن في منصات المحاكم، أو سياسيا كما هو الشأن في قاعات البرلمانات أو التجمعات الانتخابية الحزبية، أو مقرات المؤتمرات السياسية أو المجامع الثقافية أو الأكاديميات والكليات، كما أنه مع تطور السينما والراديو ووسائل التواصل الاجتماعي، وبعدما كانت فقط شفوية، أصبحت اليوم مرئية مما زادها تشويقا ورفاهية معنوية .
وإذا كانت المرافعات الشفوية التي خلدها التاريخ في قضايا كبرى شدت أنظار الرأي العام في مختلف المنابر المذكورة، كان موضوعها أحيانا مرافعات كتابية، والتي كانت سببا في وجودها وغالبا ما جاءت نتيجة قوة تأثير هذه الكتابات وتحولها إلى مواضيع ذات جدل قانوني، مما استدعى من جديد مناقشتها أمام المحاكم واستصدار أحكام قضائية بشأنها ومعرفة ما إذا كانت قد خالفت القانون أو مست بقواعد اجتماعية أو دينية أو سياسية، ونتج عن هذا التضارب جدال لم ينته إلا بعد ظهور الحقيقة بعد زمن أو بعد شهرة أصحابها، من كتاب وصحفيين ومحامين وقضاة وسياسيين، وغالبا ما ظهرت الحقيقة حتى بعد وفاتهم.
ومن هذه المرافعات الكتابية التي تحولت إلى مرافعة شفوية، ما كتبه الكاتب الفرنسي الكبير إميل زولا في واحدة من أشهر المحاكمات في التاريخ الأدبي والسياسي، عندما مثل الكاتب أمام هيئة القضاء بتهمة التشهير، وذلك على خلفية نشره مقاله الشهير “أنا أتهم” (J’Accuse !) في صحيفة “L’Aurore” عام 1898، في رسالة وجهها إلى الرئيس الفرنسي آنذاك فيليكس فور، وما تفوه به كذلك محاميه الشهير في نفس قاعة المحكمة فرناند لا بوري.
جاءت هذه المحاكمة في سياق الجدل المتفجر حول قضية دريفوس، هذا الضابط اليهودي الذي اتهم ظلما بالتجسس لحساب الألمان، إذ أن تهمته الحقيقية تكمن في كونه يهوديا في بيئة باتت معادية للسامية تحت وصاية اليمين الفرنسي المتطرف آنذاك، حسب ما حاول زولا شرحه للرئيس.
والغريب أن هذه المرافعة الكتابية، والتي سوف تتحول إلى مرافعة شفوية أمام المحاكم، ساهمت في مجد وشهرة إميل زولا أكثر مما كتبه طوال حياته؛ فحتى الإنجليز، الذين اختار المنفى والهروب عندهم بعدما نصحه محاميه بذلك بعد صدور الحكم ضده، استقبلوه استقبال الأبطال بعدما كانوا قبل ذلك يستخفون من أدبه، حيث جعلت منه مرافعته الكتابية والشفوية نموذجا في الدفاع عن العدالة وحقوق الإنسان وطرحت مرافعته، سواء تلك التي كتبت على صفحات جريدة “لورور” أو أمام المحكمة، إشكاليات قانونية وواقعية وسياسية كان من العسير إبرازها في ذلك الوقت دون أن تطاله تبعاتها، منها خرق مبدأ “علنية المحاكمة” وحقوق الدفاع، ذلك أن هيئة الاتهام لم تبرز الحجج التي من أجلها بني الاتهام واعتبرتها من صميم الأسرار العسكرية، وهو ما جعل زولا يتهم المجلس العسكري بعقد محاكمة “مغلقة” استندت إلى وثيقة سرية (الملف السري) لم يطلع عليها دريفوس ولا محاموه، معتبرا من الناحية القانونية، أن أي حكم يُبنى على دليل محجوب عن الدفاع هو حكم باطل ومنعدم الأثر.
كما كشف زولا أن الرسالة التي استُخدمت كدليل إدانة (التي عُرفت بـ”البورديرو”)، لم تكن بخط يد دريفوس، بل كانت بخط الضابط إسترهازي، وأوضح أن الخبراء الذين استُعين بهم، تعرضوا لضغوط لتزوير تقاريرهم الفنية بما يتماشى مع رغبة قيادة الجيش.
كما أنه لم يعتبر الأمر “خطئا غير مقصود”، بل اتهم هيئة الأركان العامة بارتكاب “جريمة قضائية”، وحجته في ذلك أنهم حتى بعد اكتشاف الجاني الحقيقي (إسترهازي)، اختاروا تبرئته في محاكمة صورية حماية لسمعة المؤسسة العسكرية، وهو ما اعتبره زولا “اغتيالا للحق” لصالح “هيبة زائفة”.
وفي ختام مرافعته، استخدم زولا أسلوبا قانونيا هجوميا بتحديد أسماء الضباط والوزراء، متهما إياهم بالتستر واستخدام التعصب.
ومن طرائف هذه القضية، أن إيميل زولا أثناء فترة هروبه من فرنسا وإقامته في ريف إنجليزي، وبعد شعوره بالوحدة والغربة، طلب من عشيقته جان أن توافيه إلى حيث يقيم مصطحبة معها ولديهما، وتقول الحكاية: إن زوجته الوفية ألكسندرين كانت هي التي رتبت كل ما يتعلق بانضمام جان عشيقة زوجها والولدين إلى “العزيز إميل”، وهي التي كانت قد اعتادت أن ترضخ في نهاية الأمر لهذا الواقع الجديد الذي جعلها واحدة من امرأتين في حياة زوجها الهارب ولم تتهمه هي الأخرى.



