الرأي | وداعا يا هيئة الأمم المتحدة..

بدأت تلوح علامات توديع هيئة الأمم المتحدة لأنها لم تنجح في تحقيق أهدافها، خاصة في وضع حد للحروب الطاحنة، وفك الأزمات الدولية وإنقاذ البشرية من الظلم والاستبداد والحرمان من تقديم المساعدات للمنكوبين، كما فشلت قبلها عصبة الأمم التي تأسست في 10 يناير 1920، وكانت أول منظمة دولية أخذت على عاتقها مهمة الحفاظ على السلام العالمي، وكانت تضم الدول القوية التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الأولى، وهي إنجلترا وفرنسا وبريطانيا واليابان، وكان عدد أعضائها 58 عضوا فقط وكانت اللغة الرسمية هي الإنجليزية والفرنسية.
وتذكر المراجع أن عصبة الأمم ولدت عقب مؤتمر باريس للسلام عام 1920، الذي أنهى الحرب العالمية الأولى، بهدف أن تكون شرطيا دوليا مهمته الحافظ على السلام في العالم ومنع الحروب والنزاعات، لكن تلك العصبة لم تنجح في منع الحرب العالمية الثانية، فأدى ذلك إلى انحلالها واستبدلت بما يعرف اليوم بمنظمة الأمم المتحدة.
ويجب العلم أن رئيس الولايات المتحدة ثيودور روزفلت، هو الذي طرح عام 1910 فكرة تأسيس عصبة الأمم عند تسلمه جائزة نوبل للسلام، إذ مع بداية الحرب الأولى بدأ التفكير في تأسيس منظمة تضبط الصراعات الدولية وتمنع الحروب المستقبلية، وقد أخذت الفكرة شعبية واسعة في بريطانيا والولايات المتحدة على وجه التحديد، وكان خبير العلوم السياسية البريطاني غولدي ديكنسون، أول من صاغ مصطلح عصبة الأمم في عام 1914، ووضع رؤية لتنظيم عملها، وهذا أكدته عدة مراجع في موضع تأسيس عصبة الأمم.
وتذكر المراجع أيضا أن عدة عوامل أثبتت في النهاية أن عصبة الأمم غير قادرة على كبح جماح الحرب العالمية الثانية عام 1939، وبسبب هذا الفشل جاء الإعلان عن حل عصبة الأمم في 20 أبريل 1946، وحلت محلها هيئة الأمم المتحدة، وأصبح الحلفاء الرئيسيون في الحرب العالمية الثانية أعضاء دائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وباتت قرارات مجلس الأمن ملزمة لجميع أعضاء الأمم المتحدة، وبعكس ما كان سائدا في عصبة الأمم، لم يعد الإجماع مطلوبا لتنفيذ القرارات، كما بات الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن، بريطانيا والاتحاد السوفياتي وفرنسا و الولايات المتحدة والصين، فقط من يمكنهم استخدام حق النقض لحماية مصالحهم الحيوية.
ودون الدخول في تبيان المراحل التي قطعتها المفاوضات السابقة لتأسيس هيئة الأمم المتحدة، يمكن القول أن 26 يونيو 1945 كان يوم ميلاد الهيئة ويوم 24 أكتوبر 1945 يوم دخول ميثاقها حيز التنفيذ.
لقد مر على تأسيس الأمم المتحدة ما يقارب 80 سنة، فهل حققت هذه المنظمة أهدافها، خاصة في منع الحروب، وحل الأزمات، ومنع الدخول في الشؤون الداخلية لكل دولة، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها ؟
لعل ما يعاني منه العالم حاليا، يؤكد أن هيئة الأمم المتحدة لم تستطع التغلب على منع اندلاع الحروب، وقمع الأزمات المفتعلة، وإنقاذ المدنيين من الدمار والمجاعة، ويكفي أن نذكر ما يروج الآن كالحرب الروسية الأوكرانية، وما يجري من دمار في السودان، وليبيا، وفلسطين، واليمن، والمحتجزين في تندوف، وانتشار المنظمات الإرهابية، والقمع والإفراط في استعمال القوة ضد المتظاهرين في إيران.. وها هو التاريخ يعود ليذكر ما راج وكان سببا في فشل عصبة الأمم، إذ تسربت العدوى لمنظمة الأمم المتحدة، وأصبحت غير قادرة على المحافظة على السلم والاستقرار، واتخاذ الوسائل الكفيلة بأن يعيش العالم في أمن وأمان، وكما فكر رئيس الولايات المتحدة ثيودور روزفلت سنة 1940 في تأسيس منظمة دولية تكون مهمتها الحفاظ على السلام في العالم ومنع الحروب والنزاعات، ها هو رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب يقترح سنة 2026 تأسيس مجلس السلام، تكون مهمته، كما نشرت بعض الصحف، تعزيز الاستقرار وإعادة إقامة حوكمة موثوقة وشرعية وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات أو المهددة بها، وإذا قلنا أن العالم سيودع هيئة الأمم المتحدة، فذلك أمر طبيعي لأن العالم يتحرك ويتغير، وينسجم مع الظروف الجديدة والطارئة، ولأن ميثاق مجلس السلام انتقد المقاربات والمؤسسات التي فشلت مرارا في مهامها، وتلك إشارة واضحة إلى الأمم المتحدة، ويدعو الميثاق إلى التحلي بالشجاعة للانفصال عنها، لتحل محلها منظمة سلام دولية أكثر مرونة وفعالية، وكون المجلس مبادرة تروم المساهمة في جهود السلام في الشرق الأوسط واعتماد مقاربة جديدة لتسوية النزاعات في العالم.
وإذا قيل أن مجلس السلام سيكون كأول هيئة بديلة لمنظمة الأمم المتحدة أو موازية لها في متابعة الصراعات والنزاعات، فنعتقد أنه لن تكون هناك موازنة حقيقية بين مجلس السلام وهيئة الأمم المتحدة، بسبب العناصر المندسة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي ترفض السلم وتفضل استمرار النزاعات التي تجني من ورائها مكاسب غير مشروعة، لذلك وضع المجلس معايير دقيقة لاختيار الدول التي ستكون عضوا يساهم في تأسيس مجلس السلام، ويكون مقتنعا بميثاقه، ولا مجال لقبول من سيقف حجر عثرة، لأن العالم الحر يود بإصرار أن يعم السلام والتعايش والاستقرار.
نلاحظ مما سبق، أن الرئيس روزفلت اقترح فكرة تأسيس عصبة الأمم وحصل على جائزة نوبل للسلام، وها هو الرئيس ترامب يقترح تأسيس مجلس السلام ويطمح في الحصول على جائزة نوبل للسلام.
وبخصوص موضوع السلام، فقد عبر عنه الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه سنة 1979، في جوابه عن سؤال صحفي، قائلا: ((أنا أناصر السلام، إنني أكرر أننا نناصر السلام، ولكن لن نناصر أي سلام كيفما كان)).



