الرأي | اعترافات الرسام جان جيغو ليلة وفاته


أطلق النقاد على أسلوب بلزاك في الحديث عن النساء والتغلغل النفسي في وصف مشاعرهن وخلط تجاربه الشخصية مع غزارة إنتاجه الروائي، مصطلح “فلسفة بلزاك”؛ فقد كان فيلسوفا في إدارة العلاقات الأنثوية في الصالونات الباريسية، وذلك راجع إلى تميز قلمه بقدرة نادرة في عصره على الإنصات بعمق للنساء المحيطات به، مما مكنه من رسم ملامحهن في الأدب بصدق مذهل ودقة متناهية، كما وصفوه بـ”الطموح إلى غزو أرواح النساء من خلال أعماله”، حيث رأى نفسه فاتحا للعقول والقلوب الأنثوية، واعتبر هذا الغزو وسيلته الخاصة للانتقام من مجتمع لم ينصفه قيد حياته وحتى بعد مماته.
لقد وصف أونوريه دي بلزاك بأنه لم يكن يكتب الروايات فحسب، بل كان يشيّد قصورا من الكلمات ويسكنها نساءً عرفهن في الواقع؛ ففي مختبره الأدبي لم تكن مدام دي بيرني مجرد عشيقة، بل كانت تلك القوة الخفية التي صقلت موهبته وبثّت في روحه أنفاس المجد، إذ استل من حنانها ملامح الأمومة العطوفة والأنوثة المرشدة، ليوزعها في ثنايا قصصه على بطلاته بكل سخاء وعبقرية.
عاش بلزاك مع فرانسيس سارة، وهي من عائلة عريقة، حامت حولها أغرب الشائعات والأقاويل، حيث تزوجت سنة 1825 من الكونت إميليو غيدوبوني-فيسكونتي، سليل إحدى أنبل العائلات في ميلانو، وفي عام 1835، وخلال حفل راقص في سفارة النمسا بباريس، التقت ببلزاك، فخطفت لبه بجمالها الآسر وطبعها المتقد، ليجد الكاتب نفسه صريع هواها رغم أنه كان غارقا في غرام إيفيلينا هانسكا التي ستخونه خيانة عظمى ليلة مماته ولم تعر لسنوات الحب والهيام السبعة عشر أي وزن.
لقد وصف الكونت زوج سارة بأنه رجل متفتح الذهن، وهي أوصاف يغطي بها المجتمع المخملي الأرستقراطي الغربي نقصه المعنوي في التشبث بقيم الشهامة والمحافظة على العرض لدرجة أنه عهد إلى عشيق زوجته القيام بمهام رسمية في إيطاليا، مستفيدا من خبرة بلزاك السابقة كمساعد موثق عقود، حيث سافر الأخير إلى تورينو وميلانو لتسوية قضية ميراث معقدة تخص والدة الكونت.
وعُرف عن بلزاك قدرته على إدارة علاقات عاطفية متعددة في آن واحد؛ فبينما كان على علاقة مع الكونتيسة، كانت صلته بلور دي بيرني لا تزال قائمة، كما عاش مغامرة عابرة مع كارولين ماربوتي، وكانت الكونتيسة، التي لقبها المقربون “فاني”، على دراية بكل ذلك، بل وكان الأمر يثير تسليتها.
لكن ما سوف يكتب عن علاقته وزواجه بتلك التي سموها الغريبة، لا يمكن أن يخطر على بال ولا أن يصدق. إنها إيفيلينا هانسكا، تلك الغريبة القادمة من صقيع الشمال، التي كانت لغزه الأبدي. ثمانية عشر عاما من المراسلات لم تكن حبرا على ورق، بل كانت وقودا لإبداعه، كان يرى فيها المرأة المثالية التي تسكن أحلامه، وفي الوقت نفسه كان يخشى أن تتحول في واقعها إلى حقيقة صادمة تكسر مرايا خياله، وفعلا كسرتها ككل امرأة كان يهمها من بلزاك فقط مجده الأدبي.
التقيا لأول مرة في نيوشاتل بسويسرا عام 1833، كان زوجها الكونت هانسكي رجلا صموتا ومثقفا، ولم يساوره أدنى شك وهو يرحب بالكاتب الكبير. هناك، وفي لحظات خاطفة، التقى العاشقان وجها لوجه، ليعود بلزاك إلى باريس هائما، بينما لم تكن الكونتيسة بمنأى عن سحره. تكرر اللقاء في جنيف وفي فيينا، حيث بذل بلزاك قصارى جهده لإبهار المجتمع المخملي الذي تتحرك فيه حبيبته، فاستأجر يوما عربة فخمة مزينة بشعارات النبالة ورافقه خادم بزيه الخاص وكأنه يمثل ويصدق التمثيلية على نفسه.
وفي عام 1850 تزوجا في منزلهما الباريسي، لكن حياتهما الزوجية معا هناك لم تدم سوى شهورا قليلة، إذ أن بلزاك ما لبث أن أسلم روحه يوم 18 غشت 1850.
لكن أشد ما كتب عن هذه العلاقة بين سليلة النبلاء كما كان يقدمها لفيكتور هوغو وبينه، هو ما كتبه الكاتب أوكتاف ميربو: “موتُ كلب”: “بينما كان بلزاك في الطابق العلوي ينازع سكراته الأخيرة، ويصارع الحشرجة التي تسبق الصمت الأبدي، لم تكن السيدة هانسكا في جواره. لقد كانت في الغرفة المجاورة، خلف الأبواب الموصدة، ترتمي في أحضان جان جيغو. لقد كان بلزاك يموت مهجورا، يلفظ أنفاسه وحيدا كالكلب في زاوية منسية، في ذلك القصر الفخم الذي بناه ليكون هيكلا لحبهما، أما هي، فكانت قد اختارت الحياة، اختارت اللذة في اللحظة التي كان فيها عبقري العصر يذوب ويتحلل”.
وهو ما دفع ابنتها، الكونتيسة منزيتش، للجوء للقضاء لإجبار ميربو على سحب هذا الفصل من الكتاب، وقد نجحت في ذلك فعلا، وظل هذا الفصل “محظورا” لفترة طويلة.



