مجلس المنافسة يدعو إلى تقوية الإطار القانوني للأسواق الرقمية وتعزيز المنافسة في ظل التحول التكنولوجي
أبرز رئيس مجلس المنافسة، أحمد رحو، إلى تعزيز الإطار القانوني والتنظيمي المرتبط بالأسواق الرقمية، بما يضمن تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار، وحماية المنافسة، ومنع الاحتكار، وذلك في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الاقتصاد الرقمي وتأثير المنصات الكبرى على الأسواق والإشهار وتداول المعطيات.
وجاء ذلك خلال اللقاء السنوي لمجلس المنافسة، المنعقد يومه الثلاثاء 3 فبراير 2026 بمدينة الرباط، والذي خصص لتسليط الضوء على موضوع “الأسواق الرقمية: بين الابتكار، والمنافسة، والمسؤولية الإعلامية”، في سياق تنامي نفوذ المنصات الرقمية الكبرى وما يرافقه من تحديات مرتبطة بضمان المنافسة العادلة، وحماية المستهلكين، وصيانة التعددية، والتصدي للممارسات الاحتكارية.
وأكد أحمد رحو أن التحولات العميقة التي يعرفها الاقتصاد الرقمي تفرض على المؤسسات المعنية تطوير آليات التتبع والتقنين، والاستفادة من التجارب الدولية الرائدة، خاصة في ما يتعلق بالقوانين المنظمة للمنصات الرقمية الكبرى، وحماية البيانات، والإشهار الرقمي. كما شدد على أن بناء سوق رقمية سليمة يمر عبر تخليق الممارسات الاقتصادية وضمان شروط المنافسة الحرة والنزيهة، بما يخدم مصالح المستهلك ويشجع الاستثمار ويحمي التعددية.
وفي السياق ذاته، أبرز فينسنت جيوفاني، الأستاذ المحاضر في القانون الخاص والعلوم الجنائية بجامعة جان مونيه في سانت إتيان، أن الأسواق الرقمية تتطلب مقاربة تنظيمية مختلفة عن الأسواق التقليدية، نظرًا لطبيعتها المتحولة وسرعة تطورها. وأوضح أن استغلال الإشهار الرقمي قد يؤدي إلى خلق حواجز أمام المنافسة، خاصة حين تتحكم بعض المنصات الكبرى في شروط الولوج إلى السوق أو تستغل موقعها المهيمن لفرض قواعدها على باقي الفاعلين.
كما أشار إلى الإشكالات المرتبطة باستعمال المعطيات الشخصية للزبناء واستغلالها في جذب الإعلانات، معتبرًا أن ذلك يثير تساؤلات قانونية وأخلاقية حول حماية الخصوصية وحدود استخدام البيانات. وشدد على ضرورة ضبط سلوكات الشركات الرقمية الكبرى ومعاقبة المخالفين منها عند الاقتضاء، مؤكدًا أن قانون المنافسة أصبح اليوم أداة مركزية لضمان توازن العلاقة بين المنصات الرقمية وباقي المتدخلين في السوق.
من جانبها، اعتبرت كريستينا كاماتشو، الخبيرة في قانون واقتصاد المنافسة بهيئة المنافسة في البرتغال، أن الأسواق الرقمية تعرف تغيرات متسارعة تستوجب إرساء قواعد واضحة لضمان التوازن بين الابتكار والمنافسة. وأوضحت أن هيمنة بعض المنصات الكبرى على قطاعات محددة، إلى جانب الاستعمال المكثف للذكاء الاصطناعي، قد يعزز مظاهر الاحتكار، خاصة في حال اقترانه بتحالفات بين الفاعلين الكبار، مما يصعّب المنافسة أمام الشركات الناشئة والمتوسطة.
وفي هذا الإطار، استحضرت المتحدثة التجربة الأوروبية من خلال قانون الأسواق الرقمية (DMA)، الذي يهدف إلى تعزيز النظام القانوني ومكافحة الاحتكار داخل الفضاء الرقمي، مشيرة إلى تحقيقات سابقة شملت شركات كبرى مثل غوغل، انتهت باتخاذ إجراءات وغرامات في إطار حماية المنافسة.
وعلى المستوى الوطني، كشف أحمد رحو أن المجلس عالج حوالي 190 ملفًا رغم رفع عتبات التصريح، وهو ما يعكس دينامية قوية في الاقتصاد المغربي، موضحًا أن هذه العمليات تشمل شركات وطنية وأجنبية تؤثر على السوق المغربية. كما شدد على مبدأ الحياد التنافسي، مؤكدًا أن المجلس يتعامل مع جميع المقاولات العمومية والخاصة بنفس المعايير القانونية، مبرزًا نجاح المجلس في إرساء نظام المسار السريع (Fast Track) الذي مكّن من معالجة نحو 50% من الملفات في آجال قصيرة.
وأشار رئيس المجلس أيضًا إلى ارتفاع مستوى الوعي التنافسي داخل السوق، مبرزًا تسجيل عدد متزايد من التبليغات عن التجاوزات، مع وجود 16 ملفًا قيد المعالجة ضمن المساطر التنازعية، واعتماد المجلس على تحويل النزاعات إلى توجيهات عامة تسهم في ضبط القطاعات المعنية.
ويعكس هذا اللقاء التحول المتزايد نحو تنظيم أكثر صرامة للأسواق الرقمية، في ظل تنامي دور الذكاء الاصطناعي والمنصات الكبرى، كما يؤكد التزام مجلس المنافسة بمواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وترسيخ منافسة عادلة ومستدامة تحمي المستهلك وتعزز الثقة في الاقتصاد الوطني.







