الرأي | بلزاك.. “الكتاب الحي للحضارة” و”الماء يجري قدامي”


يعلم النقاد والأدباء والباحثون أنه بفضل صديقات الأديب الكبير بلزاك، وأمه وشقيقتاه، صار بلزاك ذلك الكاتب الفذ الذي برع في تشريح النفس الأنثوية؛ فحلل طموحاتها وسبر أغوار رغباتها، وخطّ مرارة خيباتها، وهذا ما جعله أكثر من غاص في أغوار هذا التحليل الإنساني البديع، وذلك من خلال مؤلفاته التي كان من أبرز الشهود عليها عظيم فرنسا فيكتور هوغو، وهما قطبا الرومانسية الفرنسية، إذ ارتبطا بعلاقة فريدة؛ فقد تزاملا، وتساندا، وتبادلا النقد أحيانا، لكن الإعجاب المتبادل بعبقرية كل منهما ظل هو السائد رغم التوترات العابرة.
وهو ما جعل هوغو يقف مدافعا عن بلزاك في محنه العلنية، معتبرا إياه ندا مساويا له، وتجلى ذلك بوضوح في مرثيته التي ألقاها في جنازته، والتي كان لها صدى أدبيا واجتماعيا قل نظيره، فلا يمكن أن يتصور مدى ما شملته تلك الكلمة الصادرة عن لسان فصيح ومترافع قدير وشاعر وأديب مثل هوغو من إبداع واعتراف بعلو كعب هذا الكاتب الكبير رغم معاناته مع قصص حبه الغريبة ولهفته على جمع المال من أجل الوفاء بالتزاماته المادية.
لقد تقاطعت رؤاهما حيث استلهم بلزاك شخصيته من هوغو، بينما رأى هوغو في بلزاك “مهندسا” للمجتمع وفي تفاعلاتهما الحية، مما رسم صورة لعلاقة معقدة لكنها مفعمة باحترام عميق لمكانتهما كأديبين فذين.
وهكذا سجل التاريخ الأدبي الإعجاب والدعم المتبادل، حيث أدرك هوغو مبكرا عبقرية بلزاك، ووصفه في رسائله بأنه “المهندس الجسور”، كما ساند بلزاك بفاعلية، لا سيما حين ترافع لرفع الحظر عن مسرحية “فوتران” (Vautrin)، ورحب به في صحيفته “كرونيك دي باري”.
ففي عام 1850، ألقى هوغو خطابه الجنائزي الشهير واصفا نتاج بلزاك الأدبي بأنه “كتاب حيّ للحضارة”، أما في المنافسة والنقد، فلم يتردد بلزاك في انتقاد أعمال هوغو أحيانا، خاصة مسرحية “هرناني”، رغم دفاعه عنه في مواقف أخرى، كما استلهم بلزاك من شخصية هوغو ككاتب منخرط في الحياة الاجتماعية، ليرسم ملامح شخصية “ناثان” في روايته “أوهام ضائعة”، وسجل هوغو في يومياته ملاحظة طريفة، حيث قال إن بلزاك كان يصف نفسه بأنه “كاتب عظيم ومزاح صغير”.
أما التأمل المشترك في الطبيعة البشرية، فبينما كان بلزاك يشرح المجتمع بعيوبه وتفاصيله الدقيقة، كان هوغو يركز على التضاد بين “السامي والمبتذل”، و”القبح والجمال”، و”الخير والشر”.
وتمكن كلاهما من التأثير الأدبي المتبادل على الآخر؛ ففي الوقت الذي كان بلزاك سباقا في استخدام لغة الشارع (الآرغو)، كان هوغو يدمج موضوعات مشابهة في رواياته، وهو ما يظهر في المقارنات النقدية بين رواية “الشوان” Les)
(Chouans لبلزاك ورواية “ثلاثة وتسعون” (Quatrevingt-Treize) لهوغو، فهما أديبان جباران يتواجهان ويتعرف كل منهما على عظمة الآخر، حيث عكس كل منهما رؤيته للكون والإنسان، ليشكلا معا الركن الأمتن في صرح الرومانسية الفرنسية، وقد اعتبر النقاد أن فيكتور هيجو كان يتميز بالاتزان في هذه العلاقات المتبادلة بين صديقاته ومعجباته، في حين أن علاقات بلزاك كانت سببا في إلهامه، ولكن كذلك في هلاكه وموته في سن مبكرة، فهذا الأديب الذي جسد في المرأة “الكوميديا الإنسانية” ككائن يخضع غالبا لسلطة ذكورية وقوانين اجتماعية صارمة، حيث تُحصر في أدوار ثانوية أو منزلية، لكنه صورها أيضا في حالات تمردها ومحاولاتها لكسر القيود، واستطاع إبراز التعقيد السيكولوجي، حيث غاص بلزاك في أغوار معاناة النساء، وشغفهن، واستراتيجياتهن (من دهاء ودلال) في مواجهة الجور الاجتماعي، مقدما بذلك رؤية إنسانية بالغة الدقة والتعقيد، فاستطاع تجسيد ذلك في شخصيات خالدة، مثل “جولي” في رواية “امرأة في الثلاثين”.
تدور أحداث الرواية حول حياة جولي دي شاستيون، وهي شابة يافعة تتزوج بدافع الحب من الكولونيل الوسيم فيكتور ديغلمون، لتكتشف سريعا أن الزواج سجن من الخيبات، حيث أصبحت تعاني من قسوة زوجها، فتقاوم حبا جارفا تجاه لورد إنجليزي يضحي بحياته لحماية شرفها، وفي سن الثلاثين، وهي “سن النضج الجميل” عند بالزاك، تجد جولي الحب الحقيقي مع شارل دي فاندنيس، وتعيش معه علاقة طويلة الأمد، لكن الرواية تنتهي بنبرة مأساوية، حيث تعتبر جولي أن الكوارث التي حلت بأبنائها (موت ابنها الصغير، هروب ابنتها هيلين مع مجرم، وأنانية ابنتها الأخرى موِينا) هي “عقاب إلهي” على تخليها عن واجباتها الزوجية وسعيها وراء سعادتها الشخصية.
استخدم بالزاك “أوراق الخريف” ليس كمجرد وصف للمناخ، بل كمرآة عاكسة لذبول شباب جولي. هذا الربط بين الحالة الجوية والحالة النفسية هو سمة أساسية في الرواية الرومانسية التي طوعها بالزاك لخدمة واقعيته، كما أبرز التناقض الصارخ بين حياة الصالونات البراقة (الضجيج الاجتماعي) وبين ما سماه “الصحراء الداخلية” للبطلة.
الأسلوب هنا يعتمد على المفارقة (Paradox)؛ فهي تمتلك كل شيء مادي، كما وصف الزوج بأنه “أعمى قلب” وليست شتيمة، بل هو تصنيف بالزاكي لنمط من الرجال الذين يبرعون في الميادين العسكرية والعملية، لكنهم يفتقرون لـ”الأناقة الروحية” لفهم تعقيدات الأنثى، وهكذا انتقد التربية الذكورية في عصره.
أما عبارة “تموت عطشا على ضفاف نهر”، فتلخص فلسفة بالزاك في الرواية، الفجوة الهائلة بين “الظاهر” (النهر الماء الجاري /الزواج/المجتمع) وبين “الباطن” (العطش/الاحتياج العاطفي).
وهو ما عبرت عنه الأغنية المغربية الأصيلة للشاعر المرحوم محمد الغربي والتي غنتها الفنانة بهيجة إدريس سنة 1966، ولا زالت الأجيال تتغنى بها إلى يومنا هذا، وهي كذلك بالزاكية الرومانسية:
الماء يجري قدامي
صافي مثل البلار
وأنا قضيت أيامي
عطشانة مكوية بالنار



