الرأي | اعترافات سارة فيكتور هوغو الصغيرة


غالبا ما تصورنا شخصية فيكتور هوغو بكونه “ضمير فرنسا” الحيّ، فنظر إليه العالم نظرة القديس الورع المفرط في صرامته، الرجل الذي أبهر الجميع بعلو كعبه في الآداب والشعر والفلسفة والسياسة، والدفاع عن المبادئ والاصطفاف في صف المستضعفين والمغلوبين نصرة للحق والمبادئ الكبرى، التي دافع عنها، بل حتى الإيمان لدرجة أنه أشاد بالإسلام وبالنبي محمد صلى الله عليه وسلم حتى نسب إليه اعتناقه لهذا الدين وإخفاء ذلك.
لكن قصصه الغرامية في شبابه وحتى شيخوخته افتضحت بفعل تقدم وسائل التواصل الاجتماعي وطباعة الكتب ونفوذ الأنترنيت التي جمعت مذكراته ومذكرات معشوقاته والمخطوطات والرسائل التي صدرت عن رسائل نسائه؛ فالرجل كان متحررا ومندفعا في علاقاته إلى أبعد الحدود حسب هذه الرسائل وخلافا لما كنا نتصوره.
فها هي سارة برنار، التي عاشت حياة حافلة بالأحداث مع الرجال عظماء زمانها، تقول: “إن قلبي يتطلب من الانفعال أكثر مما يمكن لأي كان أن يعطيه”، وهي رسالة غالبا ما كانت موجهة إلى فيكتور هوغو، ثم ها هي في مذكراتها تعترف بأن أكبر هدية وأغلاها وهي التي تلقت من ملوك وأمراء ورؤساء ووجهاء وأثرياء الكرة الأرضية ما قل نظيره قيمة ومالا وندرة، وتعترف بأن أحسنها هي تلك التي تسلمتها من فيكتور هوغو، وكانت عبارة عن دمعة حولها الشاعر العاشق إلى ماسة عن طريق صائغه عندما قالت: ((كنا نلتقي بانتظام كخطيبين، وحين كانت فرقة الكوميدي فرانسيز تستعد لعرض مسرحية “إيرناني”، وبعد أيام قليلة من العرض الأول الكبير، تسلمتُ طردا يحتوي على رسالة وعلبة صغيرة.
تقول الرسالة: “سيدتي؛
لقد نفختِ الروح في شخصية “دونا سول”، وهزني ذلك لدرجة أني ذرفت دمعة واحدة، واحدة فقط، حفظتها وحملتها على عجل إلى الصائغ روبنشتاين في شارع ريفولي، وببراعة السحرة استحوذ على تلك الدمعة وحولها إلى ألماسة تجدينها طي هذا الطرد”)).
لكن بعد قصة الحب هذه التي جمعت ست سنوات أقسمت سارة برنار بأنها لم تخنه خلالها رغم علمها بأنه كان متزوجا وله أولاد وبنات وحفدة، وله عشيقة تسمى مدام درويه عاشت معه كزوجة ثانية لمدة خمسة عقود، كتبت له عشرين ألف رسالة حب لم تستطع جامعة روان الفرنسية الاحتفاظ سوى بألفين وخمسمائة منها على الأنترنيت.
لكن أخطر ما روت سارة عن عظيم فرنسا في مذكراتها بالإنجليزية، ولربما لم ترد نشرها بالفرنسية في كتابها “حياتي المزدوجة”، هي ما كتبت على لسانه: ((سارة الصغيرة (قالها وهو يمسك يدي ويضغط عليها)؛ ربما سمعت عني أنني رجل ذو أناةٍ مفرطة واستقامة لا تلين.. يظنني الناس قديسا، لكني لست من ذلك في شيء.
دعيني أؤكد لك أنني رجل كسائر الرجال، تحكمني الغرائز الدنيئة ذاتها، ويسكنني الشغف ذاته بأن أكون محبوبا وموضع إعجاب. هنا قاطعته قائلة: يا أستاذ، وما الدناءة في الغرائز؟ تجيب سارة: أنا أيضا لدي غرائز، ولستُ أخجل منها.
فحينما تراودني الرغبة، أنغمس في تلك الغرائز الدنيئة – كما تسميها – ولا ينتقص ذلك من قدري في عيني.
بَاغتَهُ قولي وأثّر فيه أيما أثر، فشرع في “الاعتراف بذنبه”، بل تمنى أن ينجب منها ولو من سفاح، وتمنت هي كذلك وقالت: لم يعارضني في مناداته بالأستاذ حتى في أكثر لحظاتنا حميمية. لم أكن أعتقد أني وقعت في حبه، لكني أدمنتُه.
وطوال الفترة التي كنت فيها عشيقته، لم أرغب في النوم مع أي شخص آخر. أخبرته أني أريد أن أحمل طفلا منه، ولدهشتي، أومأ برأسه موافقا وتنهد قائلا: “تعلمين، “ليوبولدين” يقصد ابنته الأولى، ماتت غرقا، كانت طفلتي المفضلة، وأديل تفقد عقلها ببطء.. يا لها من عطية ستكون، هل يمكننا تسميتها ليوبولدين برنار؟ ستكون أختا صغيرة لموريس. قلتُ: يا لها من فكرة سعيدة.
ضحك قائلا: سأعلمها أن تناديني جدي.
لكن ذلك لم يكتب له التحقق. شعرتُ بالغثيان ذات صباح وظننت أن أمنيتنا الغالية قد استجيبت، لكن الطبيب أكد لي أنه إنذار كاذب، وطويت بذلك قصة حب عظيم فرنسا مع عظيمة الفن سارة برنار.
واعترفت كذلك بذنبها في مذكراتها لدرجة أنها لم تراع حميمية المواقف ولا العواطف وهي تلك التي قالت وهي على فراش الموت للصحافة التي كانت تتلقف أخبارها وأخبار مغامراتها وكانت آخر كلماتها قبل وفاتها عام 1923 موجهة للصحافيين الذين كانوا ينتظرون “الحدث”، فقالت: لقد عذّبوني طيلة حياتي وسوف أعذبهم بعد مماتي)).



