الرأي | فرانك سيناترا.. أول آدمي عزفت مقطوعاته فوق سطح القمر


قبل مدونة الأسرة، كانت النيابة العامة في حالة نزاعات الأسرة ذات الطابع الجنائي، تلجأ إلى مسطرة الصلح أو الطلاق الاتفاقي من أجل مصلحتها وعدم تعريض الأزواج إلى المساطر الجنائية المعقدة في غياب نصوص الشقاق آنذاك.
وحدث مرة أن حاولت بصحبة النائبة المكلفة بالأسرة في حالة زوجين شابين من مجتمع مخملي قررا الاتفاق على الطلاق دون أن تنجح مساعينا الحميدة إلى إقرار صلح، لكن الشابة الأنيقة وكانت منفعلة، قالت بالحرف: لا تحاولوا معه – تقصد زوجها – إنه يظن نفسه فرانك سيناترا! وقال الزوج الوسيم: لا تحاولوا معها إنها تظن نفسها آفا غاردنر !
وحدث أن ذكرني خصامهما بما كنت أقرأ في مراهقتي عن هذا الفنان الأسطورة، وتوجهت إليها بالقول: ولكن فرانك سيناترا ليس بالمثل الجيد في العائلة؟ فأجابتني بلغة فرنسية راقية: اسمع سيدي: إن معجبات فرانك سيناترا، سواء الأمريكيات أو غيرهن، لسن معجبات فقط بأناقته وفنه وصوته ووسامته وكرمه، ولكن المرأة تعجب أحيانا بذلك الغموض الذي يلف نوعا من الرجال، حيث تتضارب وتتناقض الآراء بصددهم، فتصبو إليهم بأنانية داخلية في نفسها لاكتشاف الحقيقة كما تريدون أنتم أن تكتشفوها في أحكامكم.
ولم أرد – بحكم واجب التحفظ – أن أكمل المناقشة، وإنما اكتفيت بحكمة تلك السيدة المثقفة وحز في نفسي أن يقع تنفيذ ذلك الطلاق الاتفاقي بينها وبين زوجها.
ومعلوم أن فرانك سيناترا قد التصقت به عدة دعايات وألقاب وملأ الدنيا وشغل الناس في حياته وحتى بعد مماته، وهو الفنان الذي كان يفخر بأن أغانيه هي الوحيدة التي أنشدت فوق سطح القمر، عندما مشى رائد الفضاء الأمريكي أرمسترونغ سنة 1970 وصوت موسيقاه ينبعث من قبعة الرائد الفضائي!
فما هو حقيقي، هو أن نيل أرمسترونغ لم يغن أغنية لفرانك سيناترا فوق القمر، ولكن نسخة فرانك سيناترا من أغنية “Fly Me to the Moon” (خذني إلى القمر) ارتبطت ارتباطا وثيقا ببرنامج أبولو، حيث تم تشغيلها على متن مهمتي أبولو 10 وأبولو 11 قبل الهبوط على سطر القمر، مما جعلها أغنية القمر الشهيرة، وليست غناء مباشرا من رواد الفضاء كما تحدثت عنه المصادر الموثوقة، وعلم أن أغنية “Fly Me to the Moon” (في الأصل In Other Words)، ألفها بارت هوارد، وأصبحت أشهر نسخة هي التي سجلها فرانك سيناترا عام 1964.
وكم تحدثت الصحافة الأمريكية عن علاقات سيناترا مع عدد كبير من جميلات هوليود ومن سيدات المجتمع الأمريكي المخملي، أمثال جاكلين كينيدي، لكن علاقته مع آفا غاردنر التي تزوجها سنة 1951 إلى 1957، هي أكبر علاقة إثارة للجدل، وبالرغم من كل ذلك، دعمته خلال تراجع مسيرته، مما ساهم في عودته الأسطورية بفيلم From Here to Eternity، واستمرت علاقتهما حتى بعد الطلاق، وظلت روابطهما قوية وأشعلت علاقتهما وسائل الإعلام بسبب شهرتهما الكبيرة والجدل المحيط بها، خاصة وأن سيناترا كان لا يزال متزوجا في البداية، وتزوجا بعد أيام من طلاقه الأول.
ورغم كل ما يقال عن هذا الفنان وعن تضارب سيرته بين عشاقه وخصومه، فقد أثر في الحياة الفنية المعاصرة، ويكفي أنه اهتمّ بموسيقانا العربية وانتبه يوما ما إلى الفن العربي واعتبر فريد الأطرش الذي أحبه العرب، هرما من أهرام الموسيقى العالمية، وأشاد به وبإبداعه ولعلهما الاثنين كانا متشابهين في كثير من الأمور، في الفن والعشق والكرم والوسامة والمحبة التلقائية للجمهور لهما، بل وحتى التعصب أحيانا.



