الرأي

الرأي | القفطان المغربي.. والتفاعل بين التراث والسيادة  

عبد الله بوصوف
بقلم: عبد الله بوصوف

 يمثل الاعتراف الدولي بالقفطان المغربي، لحظة مفصلية في سياق عالمي يشهد عودة واضحة إلى مركزية الهوية الثقافية في تشكيل الدولة-الأمة؛ فالتثمين العالمي لهذا التراث لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد تقدير لعنصر من عناصر اللباس التقليدي، بل باعتباره مؤشرا على تحول أعمق في بنية النظام الدولي، حيث باتت قيمة الدول تقاس أيضا بعمقها الحضاري وقدرتها على صون مكوناتها التاريخية.. وهكذا يبرز تمايز غير معلن بين دول متجذرة ذات إسهامات ثقافية ممتدة، ودول حديثة تحاول تثبيت موقعها داخل السردية الإنسانية الكبرى.

ويأتي هذا التحول في إطار عودة متنامية إلى الأصل بوصفه قيمة سياسية، ثقافية، وأحيانا اقتصادية، ويظهر ذلك في حرص عدد من الدول على تثبيت عناصر هويتها داخل رؤاها الاستراتيجية؛ ففي استراتيجية الأمن الروسي، الصادرة في شهر نونبر 2025، يتجلى بوضوح الدور المركزي للغة والتراث في تعزيز الأمن القومي، حيث تؤكد الوثيقة على ضرورة تعميم اللغة الروسية وترسيخ الثقافة الوطنية في جميع المناطق بما فيها الأراضي الجديدة في أوكرانيا، ويعكس هذا النهج إدراكا بأن الثقافة عنصر من عناصر السيادة، وليست مجرد تمظهر رمزي أو فولكلوري.

ولا يقتصر هذا التوجه على المجال السياسي فقط، بل يتجلى أيضا في الاقتصاد العالمي المعولم؛ فصعود المنتجات المصنفة “Bio”، باعتبارها منتجات “طبيعية” وغير خاضعة لمعالجات صناعية، يعكس تحولا في الذائقة الاستهلاكية يقوم على تقدير الأصالة، واعتبار العودة إلى الأصل خيارا يمنح الثقة والاعتبار، ويمكن قراءة هذا التحول بوصفه امتدادا لمنطق عالمي جديد يجعل من “النقاء” و”الجذور” رأسمالا رمزيا وماديا في آن واحد.

تتمة المقال تحت الإعلان

وتبرز الحالة الإيطالية مثالا واضحا على هذا التفاعل بين التراث والسيادة؛ فبعد حصول المطبخ الإيطالي على اعتراف “اليونسكو”، رفضت روما المقترح الفرنسي-الإسباني القاضي باعتماد ملصق Nutri-Score، الذي كان سيشوّه صورة عدد من الوجبات الإيطالية التقليدية الغنية بالسعرات الحرارية، وقد تعاملت إيطاليا مع المسألة باعتبارها تهديدا لتراثها الغذائي، وأقامت فعاليات في فضاءات تاريخية مثل “محيط الكولوسيوم” لتأكيد أن التراث ليس شأنا ثقافيا فحسب، بل مكونا من مكونات السيادة الوطنية.

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي ضوء هذه التحولات، يكتسب الاعتراف بالقفطان المغربي بعدا يتجاوز الطابع الثقافي المباشر، ليصبح جزء من مسار إعادة تثبيت الحضور المغربي داخل منظومة الدول ذات الجذور العميقة، فالقفطان، كما أسهمت في تشكيله مدن مغربية عريقة مثل فاس والرباط ومراكش والدار البيضاء ووجدة.. يمثل تراكمات جمالية وحضارية تمتد عبر قرون، وحمايته من محاولات التشويه أو “التهجين” تحت مسميات التحديث أو الابتكار، هو دفاع عن الهوية الوطنية في وجه موجات التسطح الثقافي، وكما لم يُمسّ “الكيمونو” الياباني تحت ضغط الحداثة، فإن الحفاظ على القفطان المغربي الأصيل يشكل ضرورة استراتيجية تتعلق بمكانة المغرب داخل الفضاء الحضاري العالمي.

وهكذا يصبح الاعتراف بالقفطان اعترافا بامتداد الأمة المغربية، وبقدرتها على حماية رموزها في عالم يعيد تعريف قيمة الدول من خلال أصالتها الثقافية، ومن ثم فإن الدفاع عنه لا يندرج ضمن نطاق الجمالية أو الفولكلور، بل ضمن معركة معرفية وسيادية تؤكد حضور المغرب كدولة-أمة متجذرة في التاريخ، وقادرة على الاستمرار داخل ديناميات العصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى