الرأي

الرأي | من “وعد بلفور” إلى وعد الله بالفتح المبين

بقلم: ذ. الحسن العبد

تمثل القضية الفلسطينية أحد أكثر ملفات التاريخ الحديث تعقيدا وعمقا، إذ تجتمع فيها أبعاد السياسة والاستعمار، وصراع الهويات، ومقاومة الشعوب، وسرديات الذاكرة والهوية، ومن بين اللحظات المفصلية التي غيرت وجه المنطقة، “وعد بلفور” الصادر عام 1917، وهو الوعد الذي شكل نقطة انطلاق لمسار طويل من التغييرات السياسية والديموغرافية التي عاشتها فلسطين تحت الاحتلال، وبين وعد بشري أطلقته قوة استعمارية، ووعد إلهي يتعلق بانتصار الحق وإزالة الظلم، تمتد مسيرة الشعب الفلسطيني الممتلئة بالصبر والتضحيات، حاملة في كل مراحلها جذوة الأمل.

– أولا: الخلفية التاريخية لـ”وعد بلفور”:

صدر “وعد بلفور” على شكل رسالة من وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور إلى اللورد روتشيلد، يعد فيها بإنشاء “وطن قومي لليهود في فلسطين”. وعلى الرغم من أن بريطانيا لم تكن تملك السيادة على فلسطين آنذاك، إلا أنها قدمت وعدا يمنح أرضا ليست لها لمن لا يملكها، في خطوة ترتبط بسياقات الحرب العالمية الأولى وطموحات القوى الاستعمارية.

تتمة المقال تحت الإعلان

وقد اعتمد تنفيذ الوعد لاحقا على ثلاثة ركائز أساسية :

تتمة المقال تحت الإعلان

* الانتداب البريطاني الذي وفر بيئة قانونية وسياسية لتهيئة الأرض للهجرة والاستيطان؛

* الهجرة المنظمة التي غيّرت التركيبة الديموغرافية لفلسطين؛

* تفكيك البنية السياسية الفلسطينية عبر تعقيد البنى المجتمعية وقمع الثورات.

لقد مهّد هذا الوعد لولادة صراع طويل، إذ اصطدم المشروع الاستعماري بإرادة شعب متمسك بأرضه وهويته.

– ثانيا: معاناة الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال:

1) النكبة (1948):

شكّلت النكبة نقطة تحول مركزية، حيث تم تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من قراهم ومدنهم، وتدمير المئات منها، وبناء دولة الاحتلال على أنقاض مجتمع كامل، ولم تكن النكبة مجرد حدث عابر، بل عملية إعادة هندسة ديموغرافية وسياسية متواصلة.

2) النكسة (1967) وما بعدها:

أدت حرب 1967 إلى احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، وهو ما عمق حالة القهر السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وأدخل الفلسطينيين في حقبة جديدة من القمع العسكري والممارسات الاستيطانية.

3) الاستيطان ومصادرة الأرض:

أصبح الاستيطان أحد أهم أدوات فرض الهيمنة، من خلال مصادرة الأراضي، وبناء الطرق الالتفافية، وتقييد الحركة، ومحاصرة المدن والقرى، وفرض نظام قانوني مزدوج.

4) الحصار والتهجير والصراع اليومي:

تعاني غزة حصارا مستمرا منذ سنوات طويلة، بينما تواجه الضفة الغربية تقطيعات جغرافية وحواجز عسكرية، وتستمر الانتهاكات اليومية في مختلف جوانب الحياة: اعتقالات واسعة؛ هدم المنازل؛ قيود على الموارد؛ اعتداءات المستوطنين… ورغم ذلك، ظل الشعب الفلسطيني محافظا على هويته وبنيته الاجتماعية ومقاومته.

– ثالثا: الصمود الفلسطيني.. روح لا تُقهر:

على الرغم من القمع الممتد منذ أكثر من قرن، ظل الإنسان الفلسطيني محتفظا بروح مقاومة متجددة، تتنوع بين: المقاومة الشعبية؛ التمسك بالهوية الثقافية؛ العمل الدبلوماسي والقانوني، صمود المخيمات؛ استمرار الرواية الفلسطينية عبر الأجيال.

لقد أصبح الصمود جزء من الهوية الجماعية، حيث تحول إلى ثقافة تتوارثها الأجيال، ويتغذى على الشعور بالعدالة والحق التاريخي في الأرض.

– رابعا: من وعد بلفور إلى وعد الله:

يمثل “وعد بلفور” نموذجا للوعود السياسية المؤقتة التي تصدر عن قوى تتغير مصالحها وتزول إمبراطورياتها، في مقابل وعد إلهي يؤمن به المسلمون يقوم على حتمية انتصار الحق وزوال الظلم.

وليس المقصود بوعد الله تاريخا محددا أو حدثا سياسيا بعينه، بل سُنّة كونية مفادها أن الظلم لا يدوم، وأن إرادة الشعوب إذا التقت مع قيم العدل والحرية، لا يمكن أن تقهر.

فلسطين اليوم تقف بين هذين الوعدين: “وعد بلفور” الذي رسم بداية الألم، ووعد الله الذي يمثل ذروة الأمل، وبينهما مسيرة نضال طويلة تسطرها تضحيات البشر الذين يؤمنون بأن الحرية ل هبة، بل حقا يُنتزع، وأن الأرض التي ارتوت بالدماء والصبر لا بد أن تعود لأصحابها.

إن قراءة المسار التاريخي لفلسطين منذ “وعد بلفور” حتى اليوم، تكشف حجم الظلم التاريخي الذي تعرّض له الشعب الفلسطيني، لكنها تكشف أيضا قوة الإرادة والصمود التي لم تهزم رغم العقود الطويلة من الاحتلال، وإذا كان الوعد المشؤوم قد شكل نقطة بداية لمأساة كبرى، فإن وعد الله بالعدل والفتح المبين يظل منارة أمل تستنير بها الأجيال، ليس بوصفه شعارا، بل باعتباره قانونا تاريخيا يقوم على أن إرادة الشعوب لا تُلغى، وأن الاحتلال مهما طال، فإن نهايته محتومة، فصبر جميل، وعد الله آت عما قريب ليدحض “وعد بلفور”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى