الرأي | كافكا و ” المحاكمة “


كثيرا ما نسمع ونقرأ تجارب إنسانية وقصص ونرى مشاهد ومحاكمات ومواقف غامضة غير مفهومة فيطلق عليها “كافكاوية”، وهو نسبة إلى الكاتب المشهور الذي لم يكن ليصبح كذلك لولا تلك الخيانة الجميلة التي قام بها صديقه وأمين سره عندما اقترب أجل فرانز كافكا وسلمه عددا من المؤلفات على أساس أن يحرقها بعد موته، لكن الصديق خان الوصية بعد الاطلاع عليها والإعجاب بها ونشرها بعد موته في سنة 1925، وبذلك لم يحرم البشرية من نتاج هذه العبقرية التي كانت سوف تمر منسية ولم يعرف حتى هذا الاسم أو المذهب الذي أصبح فعلا نعتا لكل عبث ويأس وغموض وضعف وظلم وبيروقراطية معقدة وذنب وجودي..
فكافكا لم يعمر طويلا، فقد توفي عن سن 41 سنة، وكانت الحياة والموت قاسيين بالنسبة إليه؛ فوالده اتصف بالقهر والتسلط، وعلاقاته النسائية التي عبرت عنها رسائله، سواء مع فيليه باور، أو الصحفية التشيكية المتزوجة ميلينا يسينسكا، اتسمت بالإخفاق.
فهذه الرسائل التي يقتبس منها العشاق والمحبون عبارات الشوق والإخلاص والتعلق بالمحبوب.. هي فقط حقل تجارب لصراعاته الداخلية وعقده النفسية المتشابكة وشكوكه وتشاؤمه وهواجسه التي سوف تمهد لكتابات روايته.
فالمحاكمة تحكي عن شخصية تحمل اسم جوزف. ك، الذي يستيقظ ذات صباح ولأسباب لا تذكرها الرواية، يتم اعتقاله ومقاضاته على جريمة لم تحددها بحسب صديق كافكا ماكس برود، فإن كافكا لم ينه الرواية وأوصى في وصيته بأن يتم تدميرها.
وبعد موته، خالف برود إرادة كافكا وقام بتحرير المخطوطة إلى ما رآه رواية مفهومة ونشرها عام 1925، وقد بلغت شهرة الرواية أوجها عندما تخاطفت عليها مسارح العالم وكذلك منتجو الأفلام العالميين؛ ففي عام 1962، قام المخرج أورسون ويلز بتحويل الرواية إلى فيلم سينمائي من بطولة أنطوني بيركنز (في دور جوزف. ك) والجميلة رومي شنايدر.
كما مثلت الرواية مرة ثانية من طرف أنطوني هوبكنس، وركز الفيلم على شخصية الكاهن والحقيقة، وذلك لأن كل شخصية في المحاكمة تستحق فيلما أو مسرحية تركز عليها لتظهر عبقرية الكاتب في تجسيد الإنسان كما عاش معه وتخيل نفسيته.
وأصبح اسم كافكا على كل لسان وكأن قدر رواية “المحاكمة” الذي سمى الكاتب بطلها جوزيف بـ”ك”، في رمز لتجريده من الاسم، ويقصد بذلك – حسب النقاد -“الهوية الكبرى”، وهي الهوية الإنسانية التي كرمها الله تعالى، وكرم بها الإنسان، إلا أن الإنسان كسرها بفعل أعمال ومآسي تبعث على الاشمئزاز في النفوس الطيبة، كما أن كافكا الذي درس الحقوق و اشتغل في ميدان التأمينات والتعويضات، اشمأز من أثار الثورة الصناعية التي جعلت الإنسان رقما والبشر آلة، وانعكس ذلك على المعاناة مع المحاكم والأبحاث والعجز عن إثبات البراءة والتعامل مع المحامين والمباحث في انتظار الحقيقة التي ميزها ذلك الرسام الذي ذهب إليه ليتدخل عند القضاة أصدقائه، فقال له إن بوسعه فقط التدخل من أجل الحقيقة الواقعية، أما الحقيقة النهائية فهي بيد أناس يصعب الوصول إليهم.
لذلك اعترف البطل فقط بالبحث عن هذه الحقيقة التي لا تظهر أبدا ويظل الباحث عنها حبيس إثبات عكس، لتنتهي الأمور كما انتهت بجوزيف “ك” بالاستسلام بعد مقاومة دامت مع الأمل، لكنها رحلت مع تسلل الإحباط والإيمان بعدم القدرة على إثباتها.
واعتبر النقاد أن كافكا في إبداعاته صور الحياة وهي تسحق الإنسان وتفقده إيمانه بما هو قادم، ليبقى واقفا، بل ويتراجع للوراء حتى يفقد عقله، وهي نفس الخلاصة التي جسدتها مسرحيته “الإنسان الصرصار”، إذ تدور المسرحية حول شخص يستيقظ من النوم ليجد نفسه قد تحول إلى حشرة كبيرة تشبه الصرصار.
لقد تأثر فرانز كافكا بمآسي الثورة الصناعية والحرب العالمية الأولى وما رافقها من عذاب للبشرية وما بدأ يظهر من دكتاتوريات نازية وستالينية بدأت بوادرها تمهد لحرب عالمية ثانية كانت الأبشع في تاريخ الإنسان، مما انعكس على نظرته التشاؤمية في صيرورة الإنسان في عالم غريب عن المبادئ والقيم التي كانت سببا في حضارته التي أبانت عن زيفها بمجرد تقدمه وتسابقه على الماديات، ولم يكن يشعر بأنه يسحق أخاه الإنسان ويدوس على معنوياته وشعوره في سباقه على هذا التقدم الذي لا يؤدي في النهاية إلا إلى تعاسة وبؤس وتحطيم.



