الرأي | صناعة الرأي العام بين الفاعل الإعلامي والفاعل السياسي..


ظل الفاعل السياسي ولعقود عديدة، هو المهيمن على الحياة السياسية والقرارات الكبرى والسياسات العمومية.. وانقسمت أدواره بين الساهر على رسم وتنفيذ تلك السياسات في إطار الحزب الفائز في تلك الانتخابات أو داخل تحالفات حكومية من جهة، وبين لعب دور المعارضة ومراقبة أعمال الحكومة من جهة ثانية.
إن تطور الفكر السياسي وحاجته إلى آليات وأدوات جديدة، سواء لتسويق أو لتمجيد أعمال الحكومة، أو لانتقادها من طرف المعارضة، جعل من أدوات التواصل حاجة ملحة وضرورية للفاعل السياسي أيا كان مركزه أو موقعه، سواء في الأغلبية أو المعارضة.
وهكذا تربعت الجرائد الورقية لمدة طويلة على عرش التواصل بين الفاعل السياسي والمواطن / الكائن الانتخابي، وتناسلت وتطورت تلك الآليات بشكل قوي ومؤثر كالراديو والتلفزيون والسينما.. والتي لعبت دورا قويا أثناء الحرب العالمية الأولى والثانية في تأطير الجماهير، بل خلقت ألمانيا النازية في مارس 1933 وزارة التنوير والدعاية العامة عبر مهندسها جوزيف غوبلر، وسيتعاظم دور الفاعل الإعلامي في تأطير وتوجيه الرأي العام أثناء الحرب الباردة، إذ اعتبرت محركا أساسيا في السياسات الخارجية والسياسات العمومية في الداخل.
اليوم، ومع هذا الكم الهائل من الإنتاجات الإعلامية الرقمية، والترف الإعلامي وشبكات التواصل الاجتماعي.. كلها عوامل جعلت من إعادة سؤال تراتبية الفاعل السياسي والإعلامي حاجة ملحة مرة ومستفزة مرات أخرى.. ومن يؤثر في الآخر هل الإعلامي أم السياسي؟ وهل الفاعل الإعلامي أصبح رقما صعبا في صناعة القرار السياسي، أم دوره يقتصر فقط على تسويق البرامج وتلميع فاعلين سياسيين وتقريع آخرين ؟
فلا أحد بإمكانه إنكار الدور الكبير الذي يلعبه الفاعل الإعلامي في مراقبة أو انتقاد قرارات سياسية من جهة، وفي توجيه وتأطير المواطن/الناخب قبل أو أثناء الاستحقاقات الانتخابية من جهة أخرى.
الحقيقة التي يعرفها الجميع، هي أن الفاعل الإعلامي هو الذي يحدد زمن نقاش مواضيع السلم والحرب ومواعيد المفاوضات وطاولة النقاش، ويحدد أولويات اهتمامات الرأي العام بين الدفاع عن القيم أو الهوية أو الأمن والبيئة أو حقوق الإنسان والهجرة، بمعنى أنه يضع المواطن أمام “عرض إعلامي” لا يمكن معه التفكير خارج صندوق العرض؛ فهو يضع حدودا لكل الاختيارات، إذ يخال للبعض أنه يختار بمحض إرادته، والحقيقة أن العرض الإعلامي يحد من هامش الخروج عن الاختيارات المعدة مسبقا.
ولعل تمدد اليمين المتطرف بالغرب هو نتيجة للعرض الإعلامي القائم على تحديد الأولويات والبرامج، وصناعة ناخب لا يفكر خارج الصندوق، بل يعتبر نفسه “ناشطا” ومدافعا عن مضمون العرض الإعلامي لليمين المتطرف، ولن نفاجأ إذا اكتشفنا أن إعلام أحزاب اليمين واليمين المتطرف هو ممول من طرف هيئات وشركات وأشخاص نافذين في عالم المال والأعمال تسخر الإعلام لخدمة أجندتها السياسية والإيديولوجية.
وعند انتقالنا لدائرة أكبر وأوسع، سنجد أن القائمين على صناعة الرأي العام العالمي تتكلف به أربع وكالات أخبار عالمية انطلاقا من أربعة عواصم عالمية، هي نيويورك ولندن وباريس وبرلين، وهي وكالات أخبار تتحكم في تسويق الأخبار والصور عبر العالم، حسب دراسة سويسرية صدرت في يونيو 2016.
فالوكالة الأمريكية Associated Press (AP) ومقرها في نيويورك، تتوفر على أكثر من 4000 موظف عبر العالم، ويستفيد من خدماتها أزيد من 12 ألف وكالة عبر العالم، حيث تصل أخبارها يوميا لنصف سكان العالم، ووكالة France Press (AFP)ومقرها في باريس، تشغل حوالي 4000 موظف، وتنتج يوميا حوالي 3000 خبر، ومثلها من الصور لفائدة العديد من الوكالات في العالم، ثم الوكالة البريطانية Reuters ومقرها لندن، تشغل حوالي 3000 موظف، وسيقوم رجل الأعمال الكندي طومسون، بشراء Reuters سنة 2008، ليصبح مقر Reuters Thomson بنيويورك.
ثم هناك الوكالة الألمانية DPA ومقرها في برلين، تشغل حوالي 1000 موظف في العديد من بلدان العالم، وتملك دور النشر ومحطات الراديو، كما لها ترخيص من AP الأمريكية لتسويق الخدمات الإعلامية في البلدان الناطقة بالألمانية.
أغلب وكالات الأخبار العالمية لها شراكات مع هذه الوكالات الأربع من أجل تسويق الخدمات الإعلامية بما فيها خدمات مراسليها عبر العالم.
وبطبيعة الحال، فإن الفاعل السياسي ينهل من أخبار هذه الوكالات ويتأثر بتحليلاتها ويحذر من أضوائها، وفي نفس الوقت، فإن الفاعل الإعلامي يشتغل في مساحات حرية رسمها الفاعل السياسي، ويشتغل بحذر مخافة كل ردة حقوقية وإعلامية يكون بطلها الفاعل السياسي عن طريق سن قوانين تحد من حرية الصحافة مثلا، فلا ننسى قضية “ووترغيت” وسقوط الرئيس الأمريكي نيكسون من طرف صحافيين اثنين.
واليوم، تزداد المساحة المشتركة اتساعا في صناعة الرأي العام بين الفاعل الإعلامي والفاعل السياسي، بفضل الثورة الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي.
لقد تطور توصيف مجال اشتغال الفاعل الإعلامي بين صاحبة الجلالة والسلطة الرابعة، في انتظار توصيفات جديدة تتماشى مع عصر الذكاء الاصطناعي، لكن الفاعل السياسي احتفظ بتوصيفه مع بعض الإضافات كالرديكالي، والمتطرف والشعبوي، وغيرها.
في جانب آخر، تقول لغة الواقع أن كليهما شريك للآخر في صناعة الرأي العام العالمي بمواصفات خاصة، والأكيد أن الثورة الرقمية والتكنولوجية وسرعة انتقال المعلومة، ستدفع لا محالة بالمواطن/الناخب إلى البحث عن قراءات جديدة خارج صندوق العرض الإعلامي والسياسي.



