الرأي

الرأي | لا لخيانة الأمانة.. من أين لهم كل هذا ؟

بقلم: ذ. الحسن العبد

    أليس من حقنا أن نتساءل: من أين لمفسدين كانوا إلى عهد قريب يعيشون حياة عادية، أن يتحولوا بين ليلة وضحاها إلى أثرياء يملكون العقارات والسيارات الفارهة؟ من أين نبتت تلك الثروات؟ وكيف راكموا الأموال الطائلة في زمن وجيز، دون مشاريع، دون ابتكار، ودون حتى تاريخ مهني مشرف ؟

ما مصير أولئك الذين استغلوا مناصبهم وسرقوا المال العام؟ أين سيذهبون بظلمهم، وقد خاب من حمل ظلما؟ أليس في الدنيا حساب قبل حساب الآخرة؟ ومتى يرى المواطن البسيط فاسدا يُحاكم علنا وتُسترجع منه أموال الشعب دون تواطؤ أو تسويف ؟

في ظل ما تشهده البلاد من تحركات جدية لمحاربة الفساد وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن فتح ملفات الجماعات التي لطالما اعتُبرت “محمية” من التفتيش والمساءلة، يعد خطوة في الاتجاه الصحيح نحو تكريس الشفافية والعدالة. لقد آن الأوان لأن يشمل التفتيش والمحاسبة جميع الجماعات الترابية، دون استثناء أو حصانة غير قانونية، بل إن الواجب يفرض أن تطال كل من تقلد مسؤولية عمومية وأخل بواجباته أو تورط في تبديد المال العام.

تتمة المقال تحت الإعلان

ذلك لأن الهدف من هذه الحملة الرقابية ليس العقاب من أجل العقاب، بل هو قبل كل شيء استرجاع الأموال المنهوبة وضمان عدم تكرار هذه الممارسات التي استنزفت خيرات البلاد، فنحن نعيش زمنا جديدا، زمن الحساب لا الإفلات، زمن استعادة الثقة بين المواطن والدولة، وهو ما يقتضي إجراءات صارمة، متواصلة، وشاملة تضع حدا للفوضى وتكرس ثقافة المسؤولية والمساءلة كأساس للتدبير العمومي.

تتمة المقال تحت الإعلان

في وطن يفترض أن يسود فيه العدل وتحترم فيه القوانين، ترى الموظف النزيه يقضي عمره في خدمة الوطن بإخلاص، يكد ويجتهد لعقود طويلة، ولا يكاد يمتلك شقة صغيرة يأوي إليها إلا قبيل تقاعده، بالكاد ينالها عن طريق القروض البنكية التي تثقل كاهله لعشرين سنة أو أكثر.. هذا الموظف الشريف، رغم محدودية دخله، يواصل أداء واجبه بكل تفان، بينما من المفارقات العجيبة أن ترى أولئك الذين يُفترض أن يكونوا في خدمته، من بعض المنتخبين والمسؤولين الإداريين، قد اغتنوا فجأة دون مسوغ قانوني أو مصدر شرعي.

فمن أين لمنتخب كان بالأمس القريب لا يملك إلا دراجة نارية، أن يصير اليوم مالكا لعمارات وفيلات وسيارات رباعية الدفع وضيعات فلاحية شاسعة ؟

بأي منطق يمكن أن نفهم أن من يُفترض أن أجورهم أقل من أجرة الموظف الشريف، قد راكموا ثروات خيالية؟ أليس هذا عبثا؟ أليس هذا ظلما بيّنا ؟

لقد آن الأوان لفتح كل الملفات المسكوت عنها، ولمحاسبة كل فاسد وظالم، فالناس عطشى للعدالة، ولن تُشفى الصدور إلا بمحاسبة عادلة ترجع المال العام المنهوب وتعيد للدولة هيبتها.

ولكن، هل ستستمر هذه الحملة حتى النهاية؟ هل ستطال كل من تطاول على المال العام دون انتقائية أو محاباة؟ هل سنشهد يوما يُسترد فيه كل درهم سرق، ويعاقب فيه كل من استغل منصبه للاغتناء؟ هل سنرى الفاسدين خلف القضبان، والمواطن البسيط يرى العدالة تطبق في وضح النهار؟ وهل ستعاد للثقة المفقودة مكانتها بين المواطن ومؤسساته ؟

أسئلة مشروعة، لن تجيب عنها الكلمات، بل الأفعال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى