الرأي | رسالة مفتوحة من “فلان الفلاني” إلى رئيس الحكومة

في دردشة بسيطة مع مواطن بسيط يكسب قوت يومه بعرق جبينه، باح لي المواطن عن جوانب من حياته اليومية ومعاناته، وهي معاناة شريحة واسعة من الشعب، معاناة مع صعوبة الحياة اليومية واحتياجاتها، خصوصا مع غول الغلاء في كل شيء في السنوات الأخيرة. هذا المواطن البسيط ما هو إلا مرآة لملايين البسطاء مثله الذين يعانون في صمت.. إنه صمت الصابرين، صمت الشجعان المكافحين. لم أقو على الرد عليه إلا بوعد إرسال شجونه إلى الرجل الثاني في البلاد لعله يحس بحياته وحياة الملايين مثله، فكانت فكرة رسالته المفتوحة إلى رئيس الحكومة:
السيد المحترم رئيس الحكومة؛
تحية طيبة مباركة والسلام عليكم ورحمة الله، أما بعد؛
أنا الموقع أسفله، السيد فلان الفلاني، مغربي الجنسية، كامل الأهلية، حالتي العائلية متزوج وأب لأربعة أبناء. مهنتي عامل بإحدى معامل المنطقة الصناعية، أعمل لمدة عشرين سنة وقد تم تسريحي بضع مرات من أجل تقديم طلب جديد لأحسب كعامل جديد، راتبي الشهري الآن هو 3057 درهما. أكتري بيتا بسيطا بـ 900 درهم شهريا، أدفع شهريا ما يناهز 350 درهما كمصاريف الماء والكهرباء. سبق لي أن قمت بقرض بنكي من أجل شراء بعض الأثاث المنزلي، وهو القرض الذي أسدده بـ 435 درهما شهريا. زوجتي تعاني من مرض مزمن (الربو)، يكلفها شهريا حوالي 600 درهم، لكن الحمد لله، لأن CNSS تعيد لنا حوالي الثلثين، أي ما قدره 400 درهم، لتستقر المصاريف الشهرية للمرض في حدود 200 درهم، دون احتساب مصاريف التطبيب الأخرى التي يحتاجها أفراد الأسرة من حين لآخر. وهكذا، وبعد خصم هذه المصاريف الإجبارية القارة والشهرية من أجرتي الشهرية، يبقى لأسرة مكونة من ستة أفراد 1172 درهما في الشهر، يجب أن أوزعها على التغذية اليومية ومصاريف النظافة المنزلية والشخصية لأفراد العائلة ومصاريف التمدرس، فضلا عن مصاريف سنوية أخرى مثل شهر رمضان الأبرك وأضحية العيد والدخول المدرسي لأربعة أبناء ومصاريف أخرى لا تنتهي.
سيدي رئيس الحكومة المحترم؛
لقد سهرتُ الليالي أضع العمليات الحسابية والحلول التي قد تسعفني من أجل إكمال الشهر والسنة بسلام بمبلغ 1172 درهما في الشهر، ولكني لم أوفق للأسف الشديد. أسقطتُ من حلمي ومن حقي مسألة شراء أو بناء منزل متواضع لأفراد أسرتي، لأن ذلك أمر مستحيل، فقبلت على مضض أن أظل في الكراء لما تبقى من حياتي. ودعت أيضا وحذفت من تغذيتي اللحم والفواكه والحليب والأجبان، رغم أهمية هذه المواد الغذائية لتنمية جسمية وعقلية سليمة ومتكاملة للأطفال واليافعين، أكتفي باللوبيا والعدس والبيصارة والشاي والطورطيا والسردين إذا نزل ثمنه عن 15 درهما. كنتُ فيما سبق من السنوات أشتري من حين لآخر بعض الملابس الجديدة للأطفال بمناسبة العيد، لكني اكتشفت بأنني مخطئ، ولا يحق لي ذلك. الآن شطبت على مسألة الملابس الجديدة، فألبي حاجياتي من الملابس المستعملة وسوق الخردة، جربتُ هذا الحل، ومع ذلك لم أتمكن من إتمام شهري بالمبلغ المذكور، كما أعترف لكم بأنني أسقطت من دماغي حقا آخر، وهو أخذ الأطفال ولو مرة واحدة في الحياة إلى مكان ما في بلادنا الحبيبة، ليتعرفوا على جمال وشساعة بلادهم، ورغم ارتفاع الحرارة في فصل الصيف والبرودة في فصل الشتاء، فإنني لم أفكر يوما واحدا في شراء مكيف لأن ثمنه باهظ، كما أنه سيلتهم ميزانية هامة من الكهرباء. أنام بنوافذ مفتوحة ليلا في فصل الصيف، وأدثر نفسي وأبنائي بأغطية متراكمة علينا في الشتاء.
كل هذه التقشفات والتنازلات، لم تسعفني لأكمل شهري بسلام، فأجد نفسي مضطرا في بعض المناسبات للاستدانة، خصوصا في الدخول المدرسي الذي يكلفني ما يزيد عن 1000 درهم، وفي عيد الأضحى، لكن هذه السنة الحمد لله لم أضطر لشراء خروف أو جدي العيد، الذي كان يلتهم لي ألف درهم لجدي صغير، فشكرا لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الذي أنقذني من تلك الورطة.
وفي هذا الصدد، ودائما بحثا عن مخرج لوضعيتي، اضطررت لإخراج الولد الأكبر من الدراسة نظرا لغلاء المستلزمات الدراسية، كما طمعت في الحقيقة أن يساعدني في مصاريف البيت، واضطررت لتزويج ابنتي القاصر ذات الـ 16 سنة، تهربا من مصاريف الدراسة والمصاريف اليومية من تغذية وملابس ونظافة ومصروف الجيب وغيرها، لكن الخطير في وضعيتي، أنه رغم كل هذه التضحيات والتنازلات والتشطيبات عن حقوقي وكرامتي، لم أتمكن دائما من إكمال الشهر بذلك المبلغ، ولست أدري ماذا أفعل وأنا سائر إلى الهاوية ؟
سيدي رئيس الحكومة المحترم؛
هل تحسون بمعاناتي؟ هل يمكن لكم أن تعيشوا يوما واحدا في نفس ظروفي؟ هل يحق لي أن أكون مواطنا مكرما يحب وطنه؟ ما هي حلولكم لرفع الضنك والبؤس عن هذه الأسرة البسيطة وما أكثر أمثالها؟ معاناتي المزمنة هي مع الأجر غير المتحرك والزيادة المتحركة في أثمان كل شيء، من مواد غذائية وماء وكهرباء وملابس وأدوات مدرسية ومواصلات وغيرها، كما يصيبني “الستريس” عندما يمرض أحد أفراد الأسرة لأن التطبيب باهظ جدا في بلادنا. اسمحوا لي أن أبوح لكم بأن أسناني مسوسة ولم أقو على زيارة طبيب الأسنان الذي قذفني في الدرج بثمنه الخيالي من أجل معالجة أسناني وأسنان طفلتي الصغيرة.
لذلك ألتجئ إليكم، سيدي رئيس الحكومة المحترم، ليس من أجل الزيادة في الأجر، فذلك أمر شبه محال في المؤسسات الخاصة، ولكن من أجل توجيه أوامركم إلى مصالحكم المختصة وخبرائكم، ليرشدوني كيف أعمل من أجل العيش بمبلغ 3057 درهما متضمنا لكل مصاريف الحياة من سكن وغذاء وتطبيب وتدريس ولباس وتنقل ونظافة وسفر وعطلة وأضحية العيد وغيرها؟
التوقيع: السيد فلان الفلاني



