الرأي | الغش والفساد.. حين تصبح الصرامة ضرورة وطنية


عندما تسن قوانين صارمة وتترافق مع عقوبات حازمة ضد الغش في الامتحانات، كالسجن وأداء غرامات مالية ثقيلة، فإن ذلك يبعث برسالة واضحة إلى كل مترشح بأن تجاوز حدود النزاهة لن يُسامح عليه.. فمجرد معرفة المترشحين بأن هناك تكلفة باهظة للغش، تجعلهم يعيدون النظر في سلوكهم، ويجبرون أنفسهم على احترام القواعد، ذلك أن الصرامة في التعامل مع الغش لا تردع فقط المخالفين، بل تكرس أيضا ثقافة الجدية والانضباط داخل الوسط التعليمي، وهو ما ينعكس على جودة الامتحانات ومصداقية الشهادات.
لكن السؤال الأعمق: لماذا يلجأ التلميذ إلى الغش أصلا؟ ولماذا يتطبع جزء من مجتمعنا مع هذا السلوك على أنه “ذكاء اجتماعي” أو “حيلة مشروعة” ؟
والحقيقة، أن الغش في الامتحانات ليس إلا انعكاسا لتشوه أكبر: الفساد المستشري في مختلف مفاصل الدولة والمجتمع.
فحين يرى التلميذ أن الراشي يصل إلى المناصب، وأن السارق يتنعم بالمال العام دون عقاب، وأن الفاسد يكافأ بالصمت أو الترقية.. كيف نطالبه بأن يكون نزيها في امتحانه؟ إن ما نعيشه هو تهاوي منظومة القيم، حيث تحل “الحيلة” محل “الاجتهاد”، و”الواسطة” محل “الاستحقاق”، و”التهرب” محل “المسؤولية”.
إن الفساد الذي ينخر قطاعات الإدارة، والصحة، والتعليم، والعدل، والاقتصاد.. لا يهدد فقط كفاءة الدولة، بل يزرع نموذجا منحرفا يُحتذى به، يغري الأفراد بالغش والتحايل بدل السعي الشريف.. فإذا لم يتم ردع المفسدين بصرامة، ومحاسبتهم بلا تهاون، ورد الأموال المنهوبة إلى خزينة الدولة، فإننا سنواصل إنتاج أجيال ترى في الغش مهارة لا جريمة.
الصرامة ليست قسوة، بل هي الوجه الآخر للعدل، ذلك أن القوانين الرادعة لا تُقيد الحريات، بل تحميها من الفوضى والتسيب، فحين نرى الفاسدين يُحاكمون، وتُصادر ممتلكاتهم غير المشروعة، وتُفرض عليهم غرامات ترد ما نهبوه، سيشعر المواطن البسيط أن هناك ميزانا حقيقيا للعدالة، وعندما يعلم التلميذ أن الغش قد يقوده إلى محكمة لا إلى شهادة، سيفكر مرتين قبل أن يتورط في سلوك غير نزيه.
إن تطبيق القوانين بحزم، يجب أن يصبح قاعدة لا استثناء، لا تساهل مع غش التلاميذ، ولا تساهل مع فساد الكبار، بل يجب أن نُعيد ترتيب سلم القيم، ليصبح الاستحقاق والعمل والمثابرة هي المعيار الوحيد للنجاح والتقدير.
فالمجتمع الذي يتهاون مع الفساد، هو مجتمع يحكم على نفسه بالانهيار البطيء، أما المجتمع الذي يختار الصرامة في تطبيق القانون، هو مجتمع يراكم الثقة، ويبني المؤسسات، ويصون الكرامة.
في النهاية، لا يمكن أن ننتج تلميذا نزيها في منظومة تمجد الفاسدين، ولا يمكن أن نربي مواطنا صالحا إذا لم نُريه أن الصرامة في وجه الغش والخيانة ليست خيارا، بل ضرورة وجود.
لسنا عاجزين عن التغيير.. لأن ما نحتاجه ليس مجرد قوانين على الورق، بل إرادة سياسية وشعبية تُؤمن بأن الإصلاح يبدأ من الجذور، من المدرسة، من الإدارة، من كل مواطن يرفض التواطؤ مع الخطأ، فحين نختار الصرامة لا نظلم أحدا، بل نمنح كل مجتهد حقه، ونرسم لأبنائنا مستقبلا لا تبنى فيه النجاحات على الغش، ولا تؤتى المناصب على حساب الأمانة.
لننشر ثقافة أن الغش ليس ذكاء، وأن الفساد ليس واقعا يسلم به، بل معركة تخاض بشرف.. فلنكن جيلا يكتب سطرا جديدا في كتاب العدالة والنزاهة.



