الرأي | واقع التلميذ في المغرب بين الأمس واليوم


عرف واقع التلميذ المغربي تحولات عميقة بين الأمس واليوم.. تغيرات لم تمس فقط شكله الخارجي أو وسائله الدراسية، بل مست في العمق سلوكه، واهتمامه، ونظرته للعلم، وطريقة تعامله مع المدرسة والمعلمين والمجتمع بشكل عام.. ففي الماضي كان التلميذ رمزا للجد والاجتهاد، يثابر من أجل التفوق رغم بساطة الوسائل وقساوة الظروف، واليوم، فقد أصبح التلميذ يعاني من التشتت الذهني، والاتكالية، وضعف الانضباط، في ظل واقع اجتماعي وتربوي متغير ومعقد.
في العقود الماضية، كان التلميذ المغربي يقدر العلم، ويعتز بالمدرسة، بل ويعتبرها سلمه الوحيد نحو تحقيق الذات وتحسين وضع أسرته، كان يحمل محفظته بكل فخر، ويعود إلى البيت لينكب على دروسه باحثا في الكتب، ومتفاعلا مع معلمي، الاعتماد على النفس كان سمة بارزة، والمثابرة دافعا ذاتيا لا يحتاج لمتابعة دقيقة من الأسرة والمدرسة، ورغم قلة الإمكانيات، إلا أن العزيمة كانت كبيرة، والنجاح كان ثمرة تعب طويل.
أما اليوم، فقد تغير هذا المشهد.. كثير من التلاميذ أصبحوا يعانون من ضعف التحفيز وفقدان الحافز الداخلي، حيث أصبحت المدرسة في نظر البعض مجرد واجب روتيني، لا يحمل أي معنى عميق، فالتكنولوجيا الحديثة، رغم مزاياها، ساهمت في خلق نوع من الكسل الذهني؛ فبدل البحث، أصبح التلميذ يكتفي بنسخ الأجوبة الجاهزة، وبدل المطالعة، يقضي ساعات طويلة في تصفح مواقع التواصل الاجتماعي، أو مشاهدة محتويات سطحية لا تعود عليه بالفائدة، كما أصبح الغش ظاهرة منتشرة، مما أفرغ منظومة التقويم من معناها، وأسهم في ترسيخ ثقافة النجاح دون جهد.
هذا التحول في سلوك التلميذ لا يمكن عزله عن مجموعة من الأسباب العميقة، أولها تراجع دور الأسرة، التي أصبحت في كثير من الأحيان غائبة أو غير قادرة على مواكبة متطلبات التربية، بسبب الانشغال أو الضغوط الاقتصادية. ثانيها هشاشة المنظومة التعليمية التي ما زالت تعتمد على التلقين أكثر من التحفيز، وتفتقر في بعض المناطق إلى بنية تحتية تربوية ملائمة، ثم تأتي تأثيرات الإعلام ومواقع التواصل، التي تروج لنماذج فارغة من أي مضمون علمي وثقافي، وتجعل من الشهرة والربح السريع غاية كبرى، بدل المثابرة والعمل.
ومن الطبيعي أن تكون لهذه الظاهرة نتائج وخيمة، أبرزها ضعف في المستوى التحصيلي العام، وارتفاع نسب الهدر المدرسي، وتزايد أعداد الخريجين العاطلين عن العمل، بسبب غياب المهارات والكفاءات الحقيقية، كما أن غياب القيم كالصبر والمسؤولية والمثابرة، يولد جيلا هشا غير قادر على مواجهة التحديات أو الإسهام الفعلي في بناء الوطن.
لكن، ورغم هذا الواقع المقلق، فإن الأمل في غد أفضل لا يزال ممكنا، فلا بد من إصلاح شامل للمنظومة التعليمية يرتكز على تشجيع التفكير النقدي، وتحفيز التلميذ على البحث والاكتشاف، كما يجب إعادة الاعتبار للمعلم، وتحسين ظروفه المادية والمعنوية، لأنه الحلقة المركزية في العملية التربوية. إضافة إلى ذلك، ينبغي تعزيز دور الأسرة وتوجيهها لتكون شريكا فعالا في بناء شخصية التلميذ، ولا بد من رقمنة متوازنة تحفز على الإبداع والمعرفة، بدل أن تكون أداة للهروب من المسؤولية.
إن الاستثمار الحقيقي في أي بلد، هو الاستثمار في الإنسان، وإن بناء مغرب متقدم لا يمكن أن يتم إلا ببناء تلميذ نافع، واعٍ، مستقل التفكير، ومرتبط بقيم مجتمعه، فالتلميذ، رغم كل ما يقال، لا يزال يحمل في داخله بذور التفوق والنجاح، لكنه يحتاج إلى من يسقيها بالأمل، ويحفزها بالقدوة، ويوجهها بالحب والعزم.



