الرأي | الإبادة الجماعية في فلسطين ليست حربا !!


يقول موقع “ويكيبيديا” في تعريفه للإبادة الجماعية حرفيا ما يلي: ((الإبادة الجماعية بمعناها الأكثر شيوعا في الأوساط الأكاديمية اليوم، هي جريمة تتمثل في الإبادة المتعمدة، كليا أو جزئيا، لجماعة قومية أو عرقية أو دينية بطريقة منهجية. هذا يعني قتل أفراد الجماعة، وتدميرهم نفسيا وجسديا بهدف جعل حياتهم صعبة أو مستحيلة، ويمكن ارتكاب الإبادة الجماعية بوسائل مختلفة، وأكثرها انتشارا ووضوحا هو القتل الجماعي)).
كما يضيف الموقع بأن التعريف القانوني الدولي لكلمة “إبادة جماعية”، أو تعريف عام 1948، يعد تعريفا بالغ الأهمية، سواء في حد ذاته (حيث لا يزال يمثل، في صيغته الحالية، تجريما للإبادة الجماعية في المحاكم الدولية)، أو بالنسبة لباحثي الإبادة الجماعية من جميع التخصصات، الذين انتقدوه وشرحوه وكيّفوه واعتمدوه في أدبيات واسعة، وتعرّف المادة 2 من الاتفاقية والمادة 6 من النظام الأساسي، جريمة الإبادة الجماعية على أنها ((أي من الأفعال التالية المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو دينية، بصفتها هذه:
• قتل أعضاء من الجماعة؛
• إلحاق أذى جسدي أو نفسي جسيم بأعضاء من الجماعة؛
• فرض ظروف معيشية متعمدة على الجماعة بهدف تدميرها المادي كليا أو جزئيا؛
• منع الإنجاب داخل الجماعة؛
• نقل أطفال الجماعة قسرا إلى جماعة أخرى)) انتهى التعريف.
ما أوضح وما أدق هذا التعريف لمفهوم الإبادة الجماعية، وقد أتيتُ على هذا التعريف الأكاديمي المتخصص لمفهوم الإبادة، تعليقا على التعابير والمصطلحات الإخبارية المستعملة من طرف وسائل الإعلام الدولية والمغربية، من إذاعة وتلفزيون، في تغطيتها لما يجري حاليا في فلسطين، وبالضبط في قطاع غزة من جرائم وتدمير، وهي تعابير ومصطلحات خاطئة وتضليلية، وإذا كان الإعلام الغربي يستعملها، فذلك عادي لأنه صامت متواطئ مع إسرائيل منذ أن زرعها في الشرق الأوسط، ولكن أن تستعملها وسائل الإعلام المغربية، فذلك وجه القصور، والبعد عن الموضوعية الإعلامية.
نعم، وسائل الإعلام السمعي البصري المغربي غالبا ما تستعمل، للأسف، مصطلحات مغلوطة وفضفاضة مثل “الحرب بين إسرائيل وحماس”، “الحرب على غزة”، “المواجهة بين الطرفين”… إلخ، كما تستعمل كلمات أخرى باهتة مثل “الضربات”، “القصف”، “الغارات” وغير ذلك، وكأن الأمر يتعلق بالحرب بين روسيا وأوكرانيا أو بغارات متبادلة بين الهند والباكستان، وهي كلها مصطلحات خاطئة قانونيا وأخلاقيا وتضليلية سياسيا.
فما يجري في فلسطين ليس حربا، ولكنها إبادة جماعية مخطط لها بعناية كما هو في التعريف الأكاديمي أالمذكور.. إنها إبادة جماعية كاملة الأركان لشعب برمته.
الشعب الفلسطيني ليس في وضعية حرب، بل إنه يتعرض يوميا لإبادة قل نظيرها، لا يمكن مقارنتها إلا مع عدد محدود من الإبادات المعروفة تاريخيا مثل إبادة المسلمين في البوسنة والهرسك سنة 1995 من طرف الصرب، إبادة شعب التوتسي في رواندا من طرف جماعة الهوتو سنة 1994، إبادة شعب الكامبودج خلال الفترة 1975-1979 من طرف نظام الخمير الحمر، إبادة شعب ناميبيا (1904-1908) من طرف المستعمر الألماني، إبادة اليهود والأقوام غير الآرية خلال الحرب العالمية الثانية من طرف النظام النازي.
وفي إطار هذه الإبادات وليس غيرها، يجب وضع وصف ما يجري حاليا في غزة، فالأمر لا يتعلق بحرب ولا قصف ولا مواجهة بين طرفين.
لقد تم إعدام أكثر من 54 249 إنسان من أبناء الشعب الفلسطيني بكل همجية، وما زال آلاف الشهداء تحت الأنقاض، وخلف العدوان مئات الآلاف من الجرحى والمعطوبين، أكثرهم من النساء والأطفال، حتى أن نسبة الأطفال الفلسطينيين المبتوري الأطراف تشكل أعلى نسبة ضمن أطفال كل بلدان العالم، فإسرائيل تدمر، تقتل وتقنبل كل شيء يتحرك أو لا يتحرك. لقد تم تدمير أكثر من 87 % من البيوت الفلسطينية وأكثر من 80 % من المحلات التجارية وأكثر من ثلثي الطرق في غزة.. أي حرب هذه؟ إنها إبادة جماعية.. مليونان من أبناء الشعب الفلسطيني في غزة تعرضوا ويتعرضون لأفظع أنواع الترحيل القسري والجماعي في التاريخ، حيث تم ويتم ترحيل الناس قسرا إلى وجهات متعددة مرة أولى ثم ثانية فثالثة وعاشرة، والناس والأطفال في إرهاق وألم شديدين وبجروح، يحملون معهم ما تبقى من أشيائهم الممزقة معذبين أبشع العذاب.. الأطفال يفرون بلا اتجاه، أيديهم على بطونهم من شدة الجوع. إذن، هي إبادة يتم فيها استخدام سلاح التجويع، ورفض دخول المساعدات الإنسانية وتوزيعها على المدنيين. نعم، لقد تحولت غزة إلى المكان الأكثر تجويعا في العالم، لأن المجرمين يقصفون حتى المساعدات الغذائية والجياع المتحلقين حولها، يقصفون القوافل الطبية، المستشفيات، الصحافيين، والماء والكهرباء.. فهل هذه حرب التي يتحدث عنها الإعلام الدولي ويجاريه في ذلك الإعلام المغربي؟ يتم ترحيل الناس واستدراجهم إلى أماكن معينة من أجل قنبلتهم، أي حمق هذا؟ أي فظاعة هذه ؟
غزة لم تعد توجد، غزة لم يبق منها إلا الاسم.. لقد خطط لفنائها، لذلك ليس صدفة عندما منع مسؤولو الإبادة دخول الصحافيين الأجانب إلى غزة، لمنع تصوير وفضح ما يجري، لمنع تغطية حجم الفظاعة وهول الجرائم المقترفة في حق شعب أعزل فوق أرضه، وقد تم قتل أكثر من 210 صحافيين فلسطينيين.. إنها مجازر واسعة النطاق عصية عن الوصف.
لقد بدأت إسرائيل تخطط لـ”الحل النهائي” للقضية الفلسطينية، حسب تعبيرها، وهو الطرد الجماعي لسكان غزة كـ”بداية” إلى وجهة ما في العالم، ولولا صمود مصر والأردن في وجه المخطط الصهيوني، لتم التخلص من أبناء غزة ودفعهم إلى هذين البلدين، وأمام فشل الطرد لم يبق أمام الصهاينة إلا الاستمرار في الإبادة والتجويع المستمرين في المكان والزمان بهدف خلق فكرة الرحيل والهجرة لدى الفلسطينيين وكره البقاء في تلك الأرض المدمرة، لهذا تعمل إسرائيل على تحطيم ما تبقى من البنيات التحتية، والدليل على ذلك هو تدمير ما تبقى من البيوت التي لم تصلها القنابل والصواريخ، تدميرها بالجرافات، وهي النية في القضاء الكلي على الإنسان والبناء.
هذا غيض من فيض ما يحدث في غزة الشهيدة، والعالم يتفرج بنذالة.. أين هي البلدان العظمى؟ أين هي البلدان العربية والإسلامية؟ أين هي بلدان الاتحاد الأوروبي المتواطئة بالصمت وانتظار مآل الإبادة ؟
ما أحوجنا- على الأقل في وسائل إعلامنا المغربية – لوصف الأمور بأوصافها الحقيقية بكل موضوعية، وعدم تقليد المصطلحات الإعلامية الغربية المتواطئة مع الآلة الصهيونية، ما أحوجنا إلى تغيير التحليل والتعليق من أجل وصف ما يجري بكل مهنية واحترافية.
ما يجري في غزة فلسطين ليس حربا، إنها إبادة جماعية كاملة الأركان ضد الشعب الفلسطيني من أجل إفنائه وتهجيره وتشتيته.
لا لإبادة الشعب الفلسطيني، الدولة الفلسطينية المستقلة هي الحلّ.
((وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ)).



