الرأي

الرأي | حلول لمواجهة استفحال الفساد

بقلم: عبد الإله المريباح

    لا يكاد يمر يوم واحد دون أن نرى أو نسمع عن انفجار قنبلة فساد في مختلف مناطق المغرب، ولا يستثني الفساد قطاعا من القطاعات، يضرب عموديا وأفقيا وفي كل الاتجاهات، والمخيف أننا لم نعد نسمع بذلك الفساد الصغير بالملايين كما كان الأمر قبل سنوات قليلة، فالفساد تجبر وتغول واستفحل، ولم نعد نسمع إلا الاختلاسات بالملايير.

وهذه أمثلة فحسب لما أفرزته ذاكرتي المتواضعة:

• رئيس الجهة الشرقية يتورط في فساد كبير ويتم اعتقاله والتحقيق معه ومع عدد من موظفيه ومقربيه؛

تتمة المقال تحت الإعلان

• إلقاء القبض على “إسكوبار الصحراء” بسبب الاتجار الدولي في المخدرات؛

تتمة المقال تحت الإعلان

• رئيس الوكالة البنكية للاتحاد المغربي للأبناك UBM بتطوان وهو نائب رئيس الجماعة، يتورط في اختلاس بالملايير ويُحال على السجن في انتظار نتائج التحقيق؛

• التحقيق في حد كورت بمنطقة الغرب مع رئيس الجماعة في سندات طلب وهمية، ولكن فلوسها ليست وهمية لأنها دخلت الحسابات البنكية لأصحابها؛

• الرئيس الملياردير المعمر لأكثر من عقدين من الزمن بجماعة الفقيه بن صالح، وراء القضبان، بسبب فساد كبير؛  

• محمد كريمين وهو معمر آخر كرئيس لجماعة بوزنيقة، وراء القضبان في انتظار نتائج التحقيق والمحاكمة بسبب اختلاسات مالية كبيرة؛

• اعتقال البرلماني الحركي فلان بن فلان في بني ملال، وإيداعه السجن في انتظار التحقيق معه رفقة عدد من المهندسين والموظفين؛

• وأخيرا، وبكل تأكيد لن تكون الحالة الأخيرة، انفجار قنبلة قيلش حول بيع شواهد الماستر في جامعة ابن زهر بأكادير، وهو ليس أحدا آخر غير ابن مهنة القانون والعدالة وأستاذ جامعي للقانون.

لقد ألحق التلاعب بالشواهد العليا والسمسرة فيها ضررا أخلاقيا بالغا بالمنظومة التعليمية الجامعية، وانتشر صيت الفساد الجامعي المغربي في العالم بسرعة مذهلة. كيف يعقل أن يكون بيننا أناس مسؤولون، وفي مناصب عليا، يحملون ماسترات فاسدة؟ كيف سيقومون بمهامهم؟ ما هي القيم التي سيُعلّمونها في محيطهم ولطلابهم ولموظفيهم؟ لماذا تم حرمان أشخاص أكفاء اعتمدوا على أنفسهم وبحثوا وسهروا الليالي دون جدوى؟ فما أنذل أن نحرم إنسانا مستحقا لصالح شخص فاسد محتال.

كيف يُعقل أن حجم الفساد مع بائع الماسترات وصل إلى ما وصل إليه دون أن يلاحظه أحد؟ أين هي إدارة الكلية؟ أين رقابة الجامعة؟ أين وزارة التعليم العالي بجيوش موظفيها المتخصصين في المتابعة والتفتيش والتدقيق والزجر؟ ما سبب التقصير خصوصا وأن المعني بالأمر له سوابق كبيرة ؟

لن أدخل في كل ما يقال ويكتب في هذا الموضوع، ولكن ما أحزنني هو ورود أخبار من فرنسا مفادها أن طلبة أفارقة حصلوا على ديبلومات جامعية مغربية من جامعة ابن زهر دون أن تطأ أقدامهم المغرب، فهل هذا صحيح ؟

المسؤول عن الفساد هو سياسة تغييب الركائز المتعارف عليها للديمقراطية، إنها سياسة تغييب الشفافية، تغييب منهجية ربط المسؤولية بالمحاسبة، تغييب مفهوم من أين لك هذا؟ وعدم تفعيل متابعة ملفات الفساد التي يتم تشخيصها من طرف المجلس الأعلى للحسابات، فتظل أغلبها أوراقا على الرفوف.

وإذا كان سبب الفساد سياسي، فإن الحل هو أيضا سياسي.. الحل هو اعتماد الأسس والمنهجية الديمقراطية في كل أبعادها، والديمقراطية هي الوحيدة الكفيلة بالتقليص بشكل كبير من مرض الفساد والاغتناء غير المشروع:

• لا بد من الشفافية والمحاسبة أن تسودا في مناصب المسؤولية مع ضرورة مراقبة منتظمة للإثراء غير المشروع؛

• لماذا تبرد أو تُمطط بعض التحقيقات في ملفات الفساد حتى تكاد تنسى ؟

• لماذا هناك قوم كثر غير معنيين بالتصريح بممتلكاتهم، ولماذا لا تتم محاسبتهم على التهرب ؟

• لا بد من تضييق الخناق على الفاسدين بسيف الديمقراطية والشفافية وبالقوانين الزجرية، خصوصا التي تنص على الحجز على أموال الفساد، وليس مثل القوانين التي تحكم مثلا على ناهب لمئات الملايين فقط بسنتين حبسا، ليخرج السجين يرفل في أمواله بعد مدة السجن الوجيزة.. يا له من تشجيع على الفساد.

• لا بد من تفعيل مبدأ من أين لك هذا؟ وإخراج هذه الركيزة الديمقراطية على شكل قانون كامل الأركان، وهو، بالمناسبة، قانون تلكأت عدد من الحكومات المغربية في إخراجه منذ أول محاولة سنة 1964 عندما قدم حزب الاستقلال أول مشروع له تحت قيادة الزعيم علال الفاسي، وكانت آخر محاولة مجهضة أيضا سنة 2015 في حكومة بن كيران، فالمشرعون والمشاركون في الحكومات المغربية المتعاقبة أنفسهم لا يودون أن يكونوا “ضحية” قوانينهم يوما ما، وهذا لا يعني شيئا آخر غير الرغبة الشديدة في التستر على حالات غامضة يمكن أن تكون مشبوهة وفاسدة.

وأعتقد أن إصدار القانون التنظيمي “من أين لك هذا؟” حول الإثراء غير المشروع، سيكون أصعب من القانون التنظيمي للإضراب الجاهز حاليا والقانون التنظيمي للنقابات الذي لم يصدر بعد.  

• لا بد من إحداث تطبيق معلوماتي من طرف بنك المغرب والأبناك والمصالح المالية والمجلس الأعلى للحسابات والمحافظة العقارية ومؤسسات المراقبة الأخرى، يشخص فورا الإثراء المالي والملك العقاري المشبوهين وغيرها من مظاهر الفساد، إذ كيف يعقل أن تظل حسابات الفاسدين تنتفخ بلا حسيب ولا رقيب، بلا حجج معقولة من أين أتت، ودون أن يرف لهم جفن؟ وفي هذا الإطار كيف تم التهاون في التحقيق مع بائع الماستر وزوجته، حيث يشاع بأنهما يملكان أرصدة بالملايير، كيف تحصلا على تلك الملايير في سبات عميق من طرف مصالح المراقبة العلنية والسرية ؟

الديمقراطية هي الحل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى