الرأي

الرأي | عيد الأضحى.. غياب الأضحية لا يلغي روح العيد

بقلم: ذ. الحسن العبد

    عيد الأضحى ليس مجرد مناسبة دينية عابرة، بل هو مشهد مركب تتداخل فيه الشعائر بالطقوس، والقدسية بالبهجة، والعبادة بالعادات الاجتماعية. في هذا العيد تتجلى واحدة من أعظم الشعائر الإسلامية، وهي شعيرة الأضحية، التي ترمز إلى الطاعة المطلقة والتقرب الخالص إلى الله، في ذكرى تضحية سيدنا إبراهيم عليه السلام، غير أن العيد في وجدان المجتمعات الإسلامية عامة، والمغربية على وجه الخصوص، يتجاوز هذا البعد التعبدي ليغوص في عمق الحياة اليومية، فيتحول إلى احتفال شامل باللمة، والكرم، والفرح الجماعي.

في المغرب، لا يمر عيد الأضحى دون أن تتزين البيوت برائحة الشواء، ودخان الفحم الذي يعلو من الشرفات والأسطح، في مشهد يختصر الكثير من المعاني، فالأضحية ليست مجرد ذبح، بل هي بداية لموسم من الطقوس الغذائية والاجتماعية التي تدور كلها حول “اللحمة”، والتي تتحول من مجرد مكون غذائي إلى رمز عاطفي وثقافي، من “بولفاف” الذي يؤكل على عجل بعد الذبح، إلى “القديد” الذي يُجفف تحت شمس الصيف، مرورا بـ”الكبدة المحمرة” و”الطاجين بالعلوش”، كل طبق يحمل بين طياته قصة، وذاكرة، ولمسة من حنان الأمهات وجدّية الآباء.

لكن، بعد غياب الأضحية هذا العام؟ لأسباب مادية أو اجتماعية، قد يضطر البعض إلى الاستغناء عنها، لكن الغياب لا يُفرغ المناسبة من معناها، فحتى في غياب الكبش يظل العيد حاضرا في النفوس، يحتفى به بطقوس رمزية، ربما أبسط، لكنها لا تقل دفئا، حيث يشهد الجزارون إقبالا كبيًا، ليس فقط من أجل شراء اللحم، ولكن لإحياء طقس متجذر في الوجدان.. ففي مجتمعاتنا، لا يهم فقط ما نأكله، بل كيف نشاركه ومع من.

تتمة المقال تحت الإعلان

ذلك التداخل العجيب بين العادة والعبادة هو ما يمنح عيد الأضحى خصوصيته، فالذبح سنة، لكن الفرح واجب، ومشاركة اللحمة مع الجيران والأقارب ليست فقط عادة، بل طقسا اجتماعيا عميق الجذور، حتى من لا يضحي، يحرص على طبخ طبق لذيذ، أو زيارة الأهل، أو ببساطة، أن يكون جزء من مشهد عام مليء بالحب والتواصل.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن الطعام في عيد الأضحى ليس مجرد طعام، بل هو لغة حب وتماسك أسري، ووسيلة لنقول لبعضنا: نحن هنا معا، في الخير واليسر، وفي الشدة والعسر.. هو لحظة يذوب فيها الفرق بين الغني والفقير، بين من يملك ومن لا يملك، لأن الفرح يوزع بالتساوي، واللمة لا تشترى، بل تصنع.

في عيد الأضحى، قد نختلف في التفاصيل، في الإمكانيات، وفي مظاهر الاحتفال، لكننا نتشابه في الحاجة العميقة إلى القرب، إلى الدفء، وإلى الفرح المشترك.. فليكن هذا العيد فرصة لنعيد ربط ما انقطع، ونجعل من البساطة طقوسا، ومن اللقمة محبة، ومن اللحمة لحظة قرب لا تنسى.

ورغم أن عيد الأضحى سنة مؤكدة وشعيرة عظيمة في الإسلام، فإن تعذر الأضحية لأسباب قاهرة لا يسقط روح العيد ومعناه، فالمغاربة يدركون أن الذبيحة، وإن غابت عن بيوت البعض هذا العام، لا تغيب عن جوهر العيد، خاصة وأن أمير المؤمنين، بصفته إماما للأمة، يضحي نيابة عن شعبه، ما يمنح هذه المناسبة بعدها الرمزي الكامل، لذلك تبقى اللحمة، ولو كانت مشتركة أو رمزية، كافية لأن نصنع منها عيدا، ونحفظ من خلالها الطقوس، واللمة، والمغزى الأصيل لهذه الأيام المباركة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى