الرأي | تجليات رمضان


كثر الحديث والتساؤل عن دور الإنسان المخلوق وعلاقته بالخالق، والتي يتولد عنها ما يعرف بالقيم الكونية والأخلاق البشرية التي تترجم السعادة والفضيلة والكرامة والحرية والسلم الاجتماعي، الذي تراعى فيه كل عوامل الزمان والمكان، وتحترم فيه شروط الوجود والتواجد والتاريخ والجغرافيا والمناخ والقدرة الربانية الرحيمة بالعباد رغم الإكراهات والإخفاقات والابتلاءات المرتبطة بمشيئة الله، لذلك فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فالله جلت قدرته أضحك وأبكى رسوله الأمين وجعله يقول في حديث شريف: ((لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا وبكيتم كثيرا))، يعني لو تعلمون ما أعلم من حقائق الأمور التي أخفاها الله عنكم وعلمها الرسول، لكنه أخفاها عن الخلق رحمة بهم، وعلمها النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه لم يُؤمر بإبلاغها للناس، وقد يكون المراد بذلك حقائق ما أخبر به أنه يعلم شيئا من الحقائق لا يعلمها الناس، فالله أعلم.
فحتى السماء كما نعرف تبكي بدموع الغمام، فكلما بكت السماء ضحكت الطبيعة، لذلك مهلا لأحكامنا المتسرعة وانقلابنا واندفاعنا الغير مستقر والغير ثابت، وانتظاراتنا ومشاريعنا الموسمية الاحتفالية الواهية، فكثيرا ما نعتمد على الآخر والآخر يعتمد علينا، ونقلل ونتهاون وننسى الاعتماد على الله وعلى أنفسنا حتى نتمكن من الاعتماد على الآخر بعد أن نتعامل معه كما أراد الله الخالق بالمعروف وننهى أنفسنا أولا عن المنكر كما أمر الله حتى نكون من النفوس السوية المرضية المطمئنة بذكر الله، فكلمة الله هي العليا والكلام الطيب يصعد إلى المولى عز وجل ويترك بعده عملا صالحا يرضي الخالق والمخلوق وينشر المحبة والحوار والتعايش بين الثقافات والحضارات والأديان، ويخلق المتعة والسكينة ويترجم ويجسد على أرض الواقع أننا فعلا عباد الله الذين يعتبرون بحق هم الذين باستطاعتهم أن يحققوا السلام والعيش الرغيد للبشر بعيدا عن طبول ورحى الحرب المدمرة التي تدمر كل شيء.. لتبقى كلمة الحق ووعد الحق بيد الله، فإن تنصروا الله فلا غالب لكم، فنصر الله قريب، وحب الناس كنز يجب الحرص عليه، ورزق الله آت لا محالة في ذلك بالصبر والتقوى وطاعة الله ورسوله ورضى الوالدين واحترام الآخر والإيمان، بعد الله، بثقافة الاعتراف التي هي فوق كل اعتبار، وعدم نسيان الله ونسيان النفس والاكتفاء بذكر وتذكير الآخر فقط بدون جدوى، فكيف للذي ينسى الله ونفسه أن يتعامل مع الآخر ؟
إن الذي يقع الآن في العالم، يرجع للحاجة إلى التربية وضعف الوازع الديني وعدم القناعة وحب التملك والفضول والتدخل في شؤون الغير وعدم الاكتراث بالإنسان، ومفهوم العدالة وتدني مستوى الإحسان والزكاة وسيطرة الفكر الأحادي المادي أو الجماعي المتسلط وكثرة الفعل ورد الفعل المعادي المتمرد، والتنمر وطمس الحقيقة وافتعال وصناعة عوامل اللهو والعبث وبث التفرقة التي تؤدي إلى الحيرة والقلق والارتماء في أحضان المجهول.
فما أحوجنا اليوم إلى إحياء الأصالة والعادات والتقاليد للتخفيف من تداعيات وتجليات العولمة المتوحشة المتفشية ظاهريا وباطنيا والقابلة للانفجار في أي لحظة عليهم قبلنا، لأنه عندنا الحصن الحصين والرحيق المختوم والوعد المعلوم من علام الغيوب حتى نفهم جيدا ما بين السطور.



