الرأي

رأي | مستقبل الدولة المغربية في ظل الكولونيالية

بقلم: الحسين بوخرطة
مهندس إحصائي اقتصادي ومهيئ معماري

    خصص عبد الله العروي كتابا كاملا “بين الفلسفة والتاريخ” لبرهنة كون مصير الذات وتاريخ وقائعها شيء واحد، فالتاريخانية بالنسبة له علامة على تواضع، وبما أنه يوثر العمل على النظر، فإنه يعتقد أنه لن يكون بإمكانه أن يجد جوابا معقولا عن شاغل فلسفي إلا انطلاقا مما يوحي به البحث التاريخي، وفي إطاره.. لقد أقنع نفسه بأن التاريخانية قدر وليست اختيارا.

كيف إذن تجسد هذا المنطق زمنيا في المشهد السياسي المغربي ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

    لتقديم بعض عناصر الإجابة عن هذا السؤال المعقد، لم يكن أمامي سوى السفر إلى مدينة الرباط لاقتناء ثلاثة كتب أساسية لعبد الله العروي، الكتاب الأول هو “الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية 1830-1912″، والكتاب الثاني هو “خواطر الصباح يوميات 1967-1973″، والكتاب الثالث بعنوان “خواطر الصباح يوميات 1999-2007″، سأحاول من خلال هذه الكتب الثلاثة مناقشة كيف ساهم الاستعمار في إحداث انزلاقات حرمت المنظومة السياسية المغربية الطبيعية من التطور بإمكانيات الذات، وإبراز ارتباط تحولاتها وتفاعلاتها مع التطورات الإقليمية والجهوية والدولية.

تتمة المقال تحت الإعلان

الوضعية المغربية الداخلية

    إن دعوة العروي إلى التركيز على عصر الأنوار لا يدخل في خانة الدعوات إلى تقليد الآخر، فالتطورات التي عاشتها الدول الأوروبية في القرنين السابع والثامن عشر شكلت مرجعا استثنائيا في التاريخ البشري، لذلك فالدعوة لسبر أغوار هذه المرحلة التاريخية المرجعية بالنسبة له، تحمل دلالة فكرية كبرى.. إنها مرحلة الانقلاب الحاسم على الظلم والعبودية والتسلط والاستغلال، وإعلان رسمي للرفض القطعي لاستغلال الأقليات (الخاصة) لعموم الشعوب الغربية (العامة).

من جهة أخرى، يعتبر العروي الانزلاق الذي تعمده المستشرقون في دراساتهم لدول الجنوب عامة، ولدول المشرق وشمال إفريقيا خاصة، قد أفرغ الثورات الأوروبية من نعومتها الإنسانية والحقوقية.. لقد سطعت الأنوار شمالا وتم تعمد احتكار مزاياه ليسود الظلام جنوبا، ثم إن الدفع بفكرة ميلاد المغرب الجديد سنة 1930 من طرف سلطة الحماية، لا أساس له من الصحة.. لقد كان هدف المستعمر هو الدفع بعدم وجود أي روح للأمة المغربية قبل هذا التاريخ لتبرير استغلال إمكانيات ترابه تحت شعار بناء حداثته.

لقد اختار العروي الفترة الزمنية لدراسته 1830-1912، لتفنيد ادعاءات المستعمر، وقدم كل المبررات لتمكين القارئ من الإلمام بالأطروحة التي نسجها خبراء الحماية، فما قام به هؤلاء هو محاولة تكييف الوضع القائم بالمغرب مع ما استنتجوه من خلال دراستهم للحركات القومية في أوروبا الوسطى، وفي مناطق الدانوب خلال القرن التاسع عشر، وعلى هذا الأساس، أبدعوا مفاهيم تربط نهاية المغرب القديم بعقد الحماية، وجعلوا من سنة 1930 بداية المغرب الجديد.

حاولوا طمس كون مقاومة المغاربة للخطر الأجنبي آتية من بعيد، وارتبطت بالمد الإيبيري خلال القرن الخامس عشر، لقد ركز في أطروحته على هذا العمق التاريخي الرافض لما روجت له الأبحاث الاستعمارية سالفة الذكر، وبرهن بالوصف الدقيق منجزا عملا تطبعه الدقة العلمية والمصداقية، بأن المغرب كان يتوفر قبل سنة 1830 على بنيات مكونة لكيانه ولشخصيته التاريخية، ولعب البعد الثقافي في مجمل ترابه دور المحرك الديناميكي مجسدا المرآة العاكسة لتحولاته وتطوراته، والمغرب قبل 1930 لم يكن مجرد تسيب للقبائل كما ادعت سلطة الحماية، فالحركة الوطنية المغربية لها تاريخ قديم، وبذلك، فوجودها ليس نتيجة لإدخال قيم الحداثة من طرف الحماية.

ترسيخا لمنطق الاستقطاب في العمل السياسي لطمس حركات المقاومة الوطنية الترابية وتطلعاتها لتحقيق التحرر والاستقلالية بسواعد بناتها وأبنائها الوطنيين الأكفاء، ربطت فرنسا ميلاد الحركة الوطنية المغربية بالفترة التي تمكنت خلالها النخبة المستقطبة، تحت تأطيرها ودعمها، من المساهمة في ارتفاع الإنتاج وزيادته، وتوسيع السوق المغربي وانفتاحه.. إنها التطورات التي حصل في سياقها المغرب على استقلاله، وقد تحقق هذا الاستقلال في ظرفية متوترة شملت كل الدول العربية.

تأثر أوضاع المغرب المستقل بالتطورات العربية

    انطلاقا من الصفحات الأولى من كتابه “خواطر الصباح يوميات 1967-1973″، وقف عبد الله العروي على أهم الأحداث والمستجدات التي كانت سببا في انزلاق الحركات التحررية العربية في الخمسينات والستينات، عندما تخلى السوفيات على العرب وامتدت تداعيات وتأثيرات محاولات مصر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه إلى المغرب الأقصى، ولأبين المنعطفات غير السليمة التي تم اتخاذها بفعل حدة الضغوطات الدولية، سأقدم فيما يلي أهم ما جاء في الصفحات الأولى من الكتاب سالف الذكر:

* السنة 1967: بعد 19 سنة، قضي الأمر وضاعت فلسطين بكاملها.. مؤقتا في أحسن الاحتمالات، وطيلة هذه السنوات، تعززت الصهيونية بانتظام بقوى غير ذاتية أساءت إلى العرب وإلى تطلعاتهم، سبب النجاح واضح: نظام عبد الناصر ضعيف سياسيا، حيث اعتمد بالأساس على مساعدة الشيوعية الروسية دون أن يدرك في الوقت الملائم أن طبيعتها قد تغيرت، كما لم تتخل أمريكا عن إسرائيل، في حين أن روسيا تخلت عن العرب.

* الخاسر هو القومية العربية والثورة العالمية: لم يعد هناك أمل في سياسة عبد الناصر ولا في دور الاتحاد السوفياتي، والفائز بالمقابل، هو الفكر الصيني من جهة، والإمبريالية الأمريكية من جهة ثانية.

* ستتكون على المدى المتوسط دوائر نفوذ في الشرق الأوسط وفي إفريقيا بإيعاز ورعاية الولايات المتحدة الأمريكية: سيتحول العالم العربي من منطقة ثورية إلى ساحة لنمو استعمار جديد بقيادة دولتين: مصر وإسرائيل، وسيكون ثمن المصالحة دفن أمل اشتراكية عربية حقيقية غير بيروقراطية.. قبل عبد الناصر، قرار وقف إطلاق النار، لأنه فهم الوضع الجديد، بعد فوات الأوان.

* هدفهم القضاء على نظام سوريا وسينجحون إذا لم تتدخل روسيا في الحين وفي إسرائيل بالذات.

* سياسة عبد الناصر: في آخر تحليل، سياسة بورجوازي صغير حانق ومتحيز رغم البلاغة المصطنعة.. الأقوال تعبر عن الواقع الاجتماعي دون أن تؤثر في السياسة الفعلية، فأمام الهزيمة يلجأ إلى المناورة لا إلى المقاومة الثورية.. هو الرئيس قبل وبعد الخطأ والهزيمة.. يقدم نفسه على الفور، في أعقاب الهزيمة، أمام المحكمة التي تبرئ ساحته في الحين، وفي الوقت نفسه يبرئ ساحة الجيش. أوليس هذا هو لب المشكل؟ لا خوف على البيروقراطية، لن تمس مصالحها.. المسؤول الوحيد عن الهزيمة، حسب التحليل، هو تراخي السوفيات.. كان الاتحاد السوفياتي يحتاج إلى هزيمة العرب حتى يصبح المتكلم باسمهم ويقدم للأمريكان ما يعوضون به تراجعهم في آسيا.. السوفيات خلقوا في الشرق وضعا يمكن الأمريكان من قبول حل في فيتنام. في هذا الإطار، كان الاتحاد السوفياتي يحتاج إلى هزيمة العرب.. هذه النقطة غابت دائما عن المحللين المصريين المتحمسين لبطولات الشعب الفيتنامي.

* الجزائر: تكلم بومدين عن “تردد الأصدقاء وتفرج المتفرجين”.. إنجلترا خانتنا البارحة.. وها هي روسيا تخوننا اليوم.. هذا ما نردده. لا يمكن الاعتماد كليا ودائما على صديق أو حليف، حليفك هو بالضبط من يريد أن تظل في حاجة إلى مساعدته.. لم يعد للعرب، بعد الهزيمة، أي مجال للاستقلال.

ختاما، سأقف عند هذا الحد، ولا بد من التذكير بأن خواطر عبد الله العروي كتبها وهو تلميذ في ثانوية مراكش سنة 1949، واستهل كتابه الأول بـ”خواطر صيف 1967″، حيث اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية الثانية، وسعيا إلى تجديد العزائم مغربيا لترصيص مقومات الحركة الوطنية، والاعتزاز بخصوصية المملكة المغربية، وتزويد مسار الاستمرارية بمزيد من مقومات الديمقراطية والحقوق والنماء الذاتي، أرى أنه من الواجب العودة إلى سبر أغوار كتابات العروي التاريخية والفلسفية من سنة 1830 إلى سنة 2007، وهي الفترة الزمنية التي اشتغل عليها مفكرنا وخصص لها الكتب المذكورة.

حسب النظرة الصينية، أضاع عبد الناصر تحقيق وحدة العرب عن طريق الحرب الثورية (على غرار ما قام به ماوتسي تونغ).. في لحظة الحسم تنكشف ازدواجية سياسته: الوجه المصري والوجه العربي. التضحية بمصالح مصر، أو ما تبقى منها، لتحقيق الوحدة أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الكيان المصري.. عروبة مصر مصلحية في الأساس، أحادية الاتجاه، كما كانت جرمانية في روسيا. المخزن المغربي أعطى اهتماما بالغا لكل هذه التموجات الجارفة مبكرا.. لقد كان تقديره صائبا لقوة اليهود العالمية وتضامن كل اليهود مع إسرائيل. السلطة بالمغرب تتتبع في نفس الوقت عن كثب ما يفوح من خواطر مفكريه ومثقفيه.

مباشرة بعد الإذن غير المباشر للاتحاد السوفياتي لعودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى المشرق العربي مقابل التخلي عن الفيتنام، شاعت خطابات جديدة امتدت في أعماق الرأي العام الشعبي العربي: “أمرنا الله بأن نتحد فتفرقنا.. أمرنا الله بأن لا نتنابز بالألقاب ففعلنا ذلك علنا.. حبانا الله بدستور فأعرضنا عنه وأبدلناه بآخر يفصل الدين عن السياسة”.. لقد دق ناقوس إعطاء الانطلاقة لخلق التيارات الإسلامية عربيا ومغاربيا، بحيث فتح لها المجال لتحقيق التقارب مع الولايات المتحدة الأمريكية، وأعطيت الانطلاقة لترعرع العهد الإسلامي، وأبرمت العقود لاستغلال الخيرات المشرقية في مجال الطاقة والمواد الخام والمزروعات خصوصا.. تطورت الأحداث وبرزت قوى مناهضة الاشتراكية الموالية للاتحاد السوفياتي.. شاعت الحاجة لـ”حكم الله” كتصور بديل.. الوضعية الحالية: الصين تتقدم في مسارها السياسي القومي الثابت، وروسيا لا سبيل لعودتها إلى الساحة الدولية سوى اعتناق دعم إيديولوجيات الاعتزاز بمقومات الذات الثقافية في العالم بأسره، ومقاومة نظرية خلق الإنسان العالمي الليبرالي. دول العالم بأسرها اندمجت في اقتصاد السوق الكونية، حيث تمت تنحية التيارات الإسلامية الحليفة لأمريكا في الأمس القريب.. بعدما مارست الحركات الإسلامية في المشرق السلطة بشكل من الأشكال في مطلع الألفية الثالثة، انقطع الحديث اليوم عن حركة “الإخوان المسلمين” في مصر، وعن الحركة الإسلامية في الباكستان، وعن الوهابية في المملكة العربية السعودية، وحركة النهضة في تونس، أما في المغرب، فقد تمعن المغاربة في تجربة العدالة والتنمية، واعتبر الأمر طبيعيا أن تطلب حركة “العدل والإحسان” إنشاء حزب للعمل في المشهد السياسي بشكل رسمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى