الرأي | تغيير التكتيك في “طوفان الأقصى”

بقلم: محمد بنزروق
دخلت حرب غزة مرحلة جديدة بعدما أنهت إسرائيل المراحل السابقة وهي الآن تهيئ لعملية برية أخرى قد تكون قبل شهر رمضان أو خلاله، ومسرحها المتوقع سيكون في رفح لا محالة، وقد لاحظنا أن الجيش الإسرائيلي في كل مرحلة يتخذ خلال عملياته تكتيكات تختلف عن سابقاتها بعض الشيء مع الاحتفاظ بالخطوط العريضة للاستراتيجية العامة، وبعد أن جرّب عدة مناورات ها هو يلجأ إلى تكتيك جديد يريد من خلاله تحقيق بعض الأهداف أو على الأقل تقليص خسائره التي باتت مكشوفة للعالم رغم تكتمه عنها ومحاولة إخفائها.
ففي المرحلة الأولى، تم استهداف غزة بواسطة الغارات الجوية المتتالية والقصف المدفعي الكثيف، دمرت إسرائيل من خلالهما أكثر من 70 % من البنايات شمال القطاع وخلقت مساحات شاسعة تهيئة للعملية البرية، وفي نفس الوقت، تم إخلاء الشمال من المدنيين الذين اضطروا إلى النزوح تحت وابل القصف إلى وسط وجنوب القطاع.
وفي المرحلة الثانية، عمدت أركان الجيش الإسرائيلية إلى الدفع بذلك الكم الهائل من الدبابات والآليات المدرعة التي مثلت ما يقارب 80 % من الألوية المشاركة في المجهود الحربي، سواء على مستوى المحور الرئيسي أو المحاور الثانوية، مع استمرار استعمال سلاح الجو والمدفعية في الإسناد المباشر للوحدات، علما أن الزج بعدد كبير من المدرعات في حرب المدن تخلف خسائر كبيرة للمهاجم مقارنة بما تحققه من نتائج في الميدان لصالح المُدافع، ذلك أن عقيدة استعمال سلاح المدرعات تفضل توظيفه في المساحات الكبيرة المفتوحة حتى يكون المجال ملائما لاستعمال مدفع الدبابة الذي يصل مداه من 3000 إلى 5000 متر بالنسبة لمدفع MG251-LR عيار 120 مم) الذي يجهز الميركافا 4)، ومن جهة أخرى، استخدام هذه الأخيرة في الأزقة أزاح بصفة نهائية وظيفة نظام “طروفي” (Trophy) الذي يخلق نوعا من الحماية فوق المدرعة ويقوم بإسقاط الصواريخ المستهدِفة للدبابة بصفة أتوماتيكية قبل أن تصل إليها.. هذه العملية تتطلب وقتا كافيا لكي يتم استشعار الصاروخ أو القذيفة عن بعد، لكن المقاوم يستهدف “الميركافا” من زاوية الشارع التي لا تبعد إلا ببضعة أمتار عن الدبابة، وبالتالي، فقذيفة “الياسين 105” تقطع هذه المسافة في نصف ثانية على أكبر تقدير، أي قبل أن يتمكن نظام “Trophy” من رصدها.
هذا ما جعل الجيش الإسرائيلي يفقد، حسب تقارير بعض المتخصصين، ما يزيد عن 1100 مدرعة من دبابة “الميركافا” ومدرعة “النمر” وجرافة “D9” في هذه الحرب، وهو عدد كبير مقارنة بخسائرها خلال حروبها السابقة مع الدول العربية، ففضلت إسرائيل الاحتفاظ بما تبقى لديها من دبابات “الميركافا” تحسبا لفتح جبهات أخرى محتملة (مع لبنان وسوريا)، ودفعت بمدرعات من طراز قديم نوعا ما في الساحة الغزاوية.
لا أدري لماذا فضلت إسرائيل الدفع بهذا العدد الضخم من الآليات ولست على علم بمخططات أركانها الحربية، ولكن الثمن كان باهظا، وقد يقول قائل أنها أرادت تجنب الخسائر البشرية من منطلق أن المدرعة تحمي طاقمها بفضل الدروع الحديدية، لكن إذا ما أخذنا بعين الاعتبار طواقم الآليات (دبابة الميركافا: 4 أفراد، مدرعة النمر: تنقل من 10 إلى 12 شخصا، الجرافة D9 شخص واحد أو اثنين) وقمنا بحساب بسيط، نجد أن ما ينتج عن تدمير 1100 آلية من خسائر بشرية قد يرقى إلى أزيد من 8000 جندي بين قتيل وجريح، وهو ما يعادل خمسة أو ستة ألوية مشاة (حسب التنظيم المعتمد للألوية).
ربما كان الأرجح أن تستعمل هذه الخمس أو الست ألوية من المظليين ونخب الكوماندوز عوض ألوية المدرعات، لكن من أين لإسرائيل بهذه الألوية من سلاح المشاة المتخصصة وجيشها مكون في أغلبه من جنود الاحتياط ؟ وهنا السؤال يفتح المجال لجدل كبير فيما يخص الخيارات المطروحة لتكوين الجيوش.. هذه الخيارات تفرضها “العقيدة العسكرية للدفاع” التي تتبناها الدولة، وهي تتراوح ما بين خيارين: الجيش الاحترافي والجيش الاحتياطي، وهذا الجدل فرض نفسه على المفكرين والباحثين العسكريين في الدول الغربية غداة الحرب العالمية الثانية وحتى خلال التسعينات من القرن الماضي، فاتخذت كل دولة الخيار المناسب لوضعها وطبيعة مجتمعها، أما بالنسبة لإسرائيل، فهي مزجت بين الخيارين وخرجت بنسخة تعتمد رسميا على الوحدات الضرورية مكونة من الجيش الاحترافي على أن تكمل احتياجاتها عند اندلاع الحرب باستدعاء عدد كبير من جيش الاحتياط، نظرا لطبيعة المجتمع الإسرائيلي وإكراهات التهديدات الأمنية والعقيدة العسكرية، وهذا الخيار الثالث إذا كانت له إيجابيات على مستوى القوام العام للجيش (les effectifs)، فهو من جهة أخرى له انعكاسات سلبية إن على مستوى احترافية المقاتل أو على مستوى العجلة الاقتصادية للبلاد.
وفي المرحلة الثالثة من هذه الحرب، وبعد أن تبين عدم جدوى التكتيكات المتخذة في تحقيق أي من الأهداف المعلنة، إذ لم يتم القضاء على المقاومة ولم يتم تحرير أي رهينة من الرهائن، غير “تساحال” تكتيكاته على ساحة القتال، فبدأنا نلاحظ انسحاب الوحدات القتالية الإسرائيلية تباعا من ساحة المعركة مع الإبقاء على توغلات بعض الوحدات لتقوم بمناورات برية دقيقة مصحوبة بالقصف الجوي والمدفعي لنسف مربعات سكنية كاملة وتدمير البنية التحتية بشكل كلي، وذلك لجعل شمال ووسط القطاع غير صالحين للحياة، مما يجبر الساكنة على النزوح إلى الجنوب حيث سيتكدس أكثر من مليون نازح في رفح ومحيطها.
لا أظن أن هذا التكتيك سيأتي أكله على الوجه الذي يتمناه الجيش الإسرائيلي، فقد يكون للمقاومة رأي آخر، وبالفعل، أعادت هذه الأخيرة ترتيب كتائبها مع توزيع جديد لمناطق المسؤولية، وغيرت تكتيكاتها في الميدان، حيث اختفت جزئيا قذيفة “الياسين 105″، وكثف المقاومون من عمليات الاستدراج والاشتباكات المباشرة بالأسلحة الرشاشة، كما بدأت تظهر في الساحة صواريخ SAM7 ولو بشكل محتشم، لتنقل رسالة مشفرة مفادها أن المقاومة لا زالت قادرة على التأقلم مع الوضع الميداني والرد بتكتيكات مضادة حسب تطور هذا الوضع في ساحة القتال، وأنه لا زال لديها المخزون الكافي من الذخيرة والصواريخ الذي يسمح لها بالاستمرار في القتال ما لم تضع الحرب أوزارها، وبهذا تكون إسرائيل قد دخلت حرب استنزاف ليس في صالحها أن تستمر وقتا طويلا.



