الرأي

رأي | لماذا تعجز إفريقيا عن تحقيق الأمن الغذائي ؟

أغنى القارات أفقرها..

بقلم: جميلة حلبي

    لا زالت القارة الإفريقية تتخبط في الفقر رغم التطور الحاصل في عدد من بلدانها بعد الاستقلال عن الدول المستعمرة، ولو بشكل نسبي، فإفريقيا رغم أنها تعتبر أغنى القارات من حيث الموارد الخام والمعادن ومصادر الطاقة، والزراعة، التي تعتبر أحد أهم الأنشطة الاقتصادية في القارة، كما تشكل من 30 إلى 60 % من الناتج الإجمالي المحلي للدول الإفريقية، لكن الزراعة لا زالت تمارس بالأساليب التقليدية، باستثناء بعض الدول، وتبلغ مساحة الأراضي الزراعية 630 مليون هكتار، أي 21 % من مساحة القارة و25 % من الأراضي الزراعية في العالم، غير أنها تنتج فقط 10 % من الغذاء العالمي، وهذا ما يكرس فقر القارة رغم الثروات الهائلة التي تحتضنها معظم البلدان..

ويعاني ما يزيد عن 346 مليون مواطن إفريقي من انعدام الأمن الغذائي، ما يعني أن ربع سكان القارة (عدد السكان أزيد من مليار و300 مليون نسمة) ليس لديهم ما يكفي من الطعام، ويتوقع خبراء في التغذية ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية في القارة ككل هذه السنة بنسبة 13 %، حيث ارتفعت أسعار المواد في بعض البلدان بنسبة 40 %، و50 %، وزادت أسعار القمح بنسبة 63 %، لذلك تراجعت القدرة الشرائية بنسبة 40 %، مما أسفر عن أوضاع جد حرجة تهدد القارة برمتها بالجوع الحاد.

فأزمة الغذاء في إفريقيا تتداخل فيها عوامل محلية، كالحروب والنزاعات الحدودية، وعدم استقرار الأنظمة الحاكمة، وعوامل خارجية تتجسد في تحكم الأقطاب الاستعمارية في الصادرات والواردات من وإلى القارة، ثم إن هناك العوامل المناخية التي تلعب دورا كبيرا في مردودية الناتج المحلي، خاصة مع الاحتباس الحراري وما نتج عنه من جفاف مزمن أثر – ولا زال يؤثر – بشكل كبير على المحاصيل الزراعية، حيث خلصت إحدى الدراسات الأمريكية إلى أن الحرارة في إفريقيا ارتفعت بحوالي 3 درجات مائوية، مما سيؤدي إلى عدم قدرة دولها على المواءمة بين متطلبات السكان وتحقيق الاكتفاء الذاتي، وبالتالي، الإضرار بمستوى الناتج المحلي وارتفاع نسب التضخم، ومن تم ضرب القدرة الشرائية للمواطن العادي..

تتمة المقال تحت الإعلان

وعلى غير المتوقع، وفي خضم تداعيات جائحة “كورونا” على اقتصادات المنطقة، بات مؤكدا أن تأثير الحرب الروسية الأوكرانية كبير جدا وخطير على الأمن الغذائي في إفريقيا، فحجم التأثير فاق كل التوقعات، إذ ارتفعت أسعار القمح وحده في بعض الدول – مثلا – بـ 55 دولارا للطن، وارتفعت أسعار الحبوب في أغلب الدول الإفريقية بنسبة 25 % في غضون أسابيع فقط من اندلاع الحرب، ووفق إحصاءات بنك التنمية الإفريقي، فـ”إفريقيا تستورد نحو 50 % من واردات قمحها من روسيا وأوكرانيا، تمثل نصف تجارة إفريقيا مع أوكرانيا والبالغة 4.5 ملايير دولار، وحوالي 90 % من تجارتها مع روسيا والبالغة 4 ملايير دولار، مباشرة بعد بداية الحرب، كما ارتفعت أسعار الأسمدة بنسبة 300 %، مما صعب وبشكل متزايد زراعة ما يكفي من القمح والذرة والأرز والمحاصيل الأخرى”، والحالة هاته، فإن تأثير الحرب على إفريقيا ساهم في ارتفاع معدلات التضخم وأسعار المواد الغذائية منذ نهاية سنة 2022، بفعل تعطيل الموانئ التي تتم من خلالها عمليات التصدير، إذ يتم حظر الواردات الزراعية وارتفاع أسعار الأسمدة والسلع.

تتمة المقال تحت الإعلان

وقد دقت العديد من المنظمات ناقوس الخطر تحذيرا من تفاقم أزمة الغذاء غير المسبوقة في إفريقيا، وخاصة في غربها، بسبب الصراعات الداخلية، ثم نتيجة التغير المناخي، الذي صعب كثيرا زيادة المحاصيل، العصب الأساسي في الصناعات الغذائية، لذلك يبقى السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح عبر عقود: لماذا لم تستطع إفريقيا تحقيق الأمن الغذائي لمواطنيها؟ والجواب يبقى منقسما بين من يرى أن السبب يرجع لفشل السياسات الحكومية المتبعة، والنمو الديمغرافي المتسارع، ثم هناك تركيز الثروات في يد فئات قليلة، وغيرها من العوامل التي تكرس وضعية الفقر والهشاشة في إفريقيا رغم أنها غنية من حيث الموارد، مع العلم أن المجاعة تتركز بشكل كبير في المناطق التي تشهد النزاعات والحروب الأهلية بالخصوص بشكل مستمر.

وبالتالي، فإن انعدام الأمن الغذائي يكرس فشل السياسات الزراعية في معظم الدول الإفريقية، ويتجلى هذا الفشل في عدم الاستغلال الأمثل للمقومات الزراعية والطبيعية الضخمة التي تتمتع بها العديد من بلدان القارة، والقصور الواضح في السياسات الزراعية والإنتاجية، ومن جهة أخرى، هناك الاعتماد بشكل كبير على الاستيراد لتوفير السلع الغذائية، لذلك لم تستطع الدول التي تسجل أرقاما كبيرة في نقص الغذاء، التغلب على العوامل الخارجية التي تساهم في ارتفاع التضخم لديها، كما لم توفر البنى التحتية التي تمكنها من النهوض بالقطاع الزراعي، باعتباره أساس الصناعات الغذائية.. وفي هذا الجانب، لا بد من التذكير بمبادرة المغرب تجاه إفريقيا، من خلال المكتب الشريف للفوسفاط، الذي سبق أن خصص في سنة 2023، 4 ملايين طن من الأسمدة لمساعدة الفلاحين الأفارقة وتعزيز الأمن الغذائي في القارة، كما جاء على لسان الرئيس المدير العام للمجموعة، مصطفى التراب، خلال الاجتماع السنوي لمجموعة البنك الدولي، في نفس السنة، حيث “تشمل هذه المبادرة شقا متعلقا بالشراكة مع الفاعلين المحليين من أجل بناء القدرات وتعزيزها بما يتماشى مع نهج المكتب الشريف للفوسفاط، الذي يجعل من الفلاح المحور الرئيسي لاهتماماته، وسيسمح هذا التخصيص بضمان توافر الأسمدة الملائمة في جميع أنحاء القارة بغية زيادة مردودية 44 مليون فلاح في 35 دولة..”، وأوضح التراب أن “الوضع الجيوسياسي الراهن كشف عن هشاشة النظم الفلاحية العالمية والاختلالات التي تشوبها، لذا يتوجب علينا التصدي للتحديات التي تواجه الفلاحين الأفارقة، سواء كانت على مستوى البنية التحتية، أو التدريب، أو الوصول إلى الأسواق، أو الحصول على التمويل، ونحن سعداء لكوننا قادرين على تقديم العون والمساهمة في تطوير الفلاحة في إفريقيا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى