الرأي

الرأي | إضرابات الشغيلة التعليمية والنهاية غير المنتظرة

بقلم: بنعيسى يوسفي

    سؤال يطرح نفسه بحدة هذه الأيام من طرف جل نساء ورجال التعليم في المغرب، ومعهم طبعا العديد من فعاليات المجتمع، وهو هل كان من الضروري بعد هذه المدة التي ليست باليسيرة من الإضرابات والاحتجاجات والوقفات والمسيرات التي انخرطت فيها الشغيلة التعليمية بكل فئاتها بشكل غير مسبوق، أن تنتهي الأمور بهذا الشكل الذي نراه اليوم، حيث لا حديث يعلو على التوقيفات المؤقتة عن العمل في إطار تطبيق مسطرة ترك الوظيفة العمومية التي انتهجتها الوزارة المعنية، رغم ما يحيط بها من نقاش وما تثيره من جدال، وظهور بوادر تراجع الحماس النضالي لدى الكثيرين، وعودة الأغلبية الساحقة إلى أقسامها، مما يوحي بأن هذه الفصول من المعركة التي خاضتها الشغيلة التعليمية في سبيل الحصول على حقوقها المشروعة واسترداد كرامتها، قد أوشكت على الانتهاء، أو قاب قوسين من ذلك.

تتمة المقال تحت الإعلان

الواقع، أن هذا السؤال العريض كان من الأجدر ألا يتم طرحه، وألا نصل إلى مستوى يجعلنا نطرحه، بمعنى كان من الموضوعي جدا أن تنتهي كل هذه الإضرابات بشكل غير الذي نراه ونعاينه اليوم، وأن ينتهي هذا الاحتقان في أجواء يحس فيها الجميع بأن كل هذا المجهود النضالي المضني لم يذهب سدى، فما الذي حصل إذن؟

تتمة المقال تحت الإعلان

كما لا يخفى على الجميع، فالمدة الزمنية التي استغرقتها الإضرابات كانت طويلة، واستمرارها على نفس الوتيرة ونفس الإيقاع يحتاج إلى نفس طويل، وإلى تأطير عالي وناضج، وإلى تعبئة كبيرة تستلزم تقديم تضحيات جسيمة على جميع المستويات، وهذا ما لم يتحقق، والأمر طبيعي جدا، لأن ثقافة الإضراب والاحتجاج ليس من السهل أن يمتلك أي أحد ناصيتها ما لم يتدرج في مسلكيات النضال الميداني لسنوات طوال، ويتحوز تجربة من مدرسته لكي تتولد لديه مناعة قوية ضد الخوف، والضربات القوية المؤثرة، أما وأن أغلب الشغيلة التعليمية تفتقد هذه الأدوات والمقومات النضالية التي تجعلها صامدة إلى آخر رمق، نتيجة غياب التأطير النقابي والتكوين النضالي الذي زهدت فيه الشغيلة ولم يعد يستهويها لردح من الزمن، فلا يمكن أن نتوقع في ظل هذه الظروف والمعطيات، درجة أكبر من الصمود والتحدي أكثر من هذه، ثم إنه في سياق وفي سيرورة الإضراب، حدثت الكثير من الأحداث التي شكلت انعطافا كبيرا في النسق العام للاحتجاجات، وأثرت تأثيرا شديدا على أجوائه، نذكر منها على سبيل المثال، تعليق الجامعة الوطنية للتعليم التوجه الديمقراطي لكل أشكال الاحتجاجات، وانضمامها إلى طاولة المفاوضات والحوار مع اللجنة الوزارية بجوار النقابات الأخرى، بشكل مفاجئ بعد قطيعة دامت سنة كاملة، وللأمانة، فإن هذا الحدث بالنسبة لي كان رسالة واضحة على أن المستقبل سيكون محفوفا بالمخاطر، والقادم سيكون أسوأ، وقد أجازف وأقول أن هذه النقابة نقضت عهدها وخرقت الميثاق الذي وقعته مع التنسيقيات وتخلت عنهم في نهاية النفق، وفي عز الأزمة والاحتجاجات تحت مبررات ومسوغات قد لا تقنع الجميع، حتى لا يُسجل عليها التاريخ أنها في ذروة انحيازها وتضامنها مع هذه التنسيقيات، تعرّض عناصرها، وعدد من رجال ونساء التعليم للتوقيف، فيما يشبه تبرئة للذمة، أو أي شيء من هذا القبيل، وحتى لا تحمل وزر ذلك وتبعاته، مما قد يُفقدها شيئا من مصداقيتها التي أصبحت على المحك، كما يمكن القول أن أي احتجاج كيفما كان نوعه، لا بد وأنه يحتاج لتصور عام ولتكتيك واستراتيجية واضحة المعالم تُحدد فيها الخطة التي يجب اتباعها والأهداف المرجو بلوغها، أما وأن يبقى الإضراب بدون أجندة محددة مضبوطة زمانيا بالتحديد، فهذا ضرب من عدم الدقة والارتجال، وفي تصوري الخاص والمتواضع، لم تكن كل هذه الاحتجاجات خاضعة لهذه المعطيات والضوابط بالطريقة الصحيحة، أو بالقدر الكافي على الأقل، خاصة وأن المتدخلين في العملية كثر، وتباين الرؤى كان واضحا، وحتى في الطموحات والآمال كان هناك تمايز بيِّن، أما حول اتخاذ القرارات المناسبة تجاه المستجدات التي تطفو على السطح بين الفينة والأخرى، في سياق الحوار النقابي الوزاري، فكانت تصل إلى درجة الحسم في العديد من النقاط، ومنها بالتحديد البرامج النضالية، إلى مستوى من التضارب وعدم التناغم في أحايين كثيرة، وتجد هذه القرارات التي تتخذها التنسيقيات تتراوح بين من يريد مسك العصا من الوسط، خاصة بعد اتفاق 26 دجنبر 2023، والتي دعا أنصار هذا الطرح العودة إلى العمل في انتظار ما ستفرزه الأيام الموالية، خاصة وأن الحوار وصل ذروته وتمت الاستجابة للعديد من المطالب الفئوية وإن كانت لم تقنع المعنيين بهذا تمام الاقتناع، وبعدها إذا لم تلتزم الحكومة بكل وعودها تبقى العودة إلى الساحة مسألة مشروعة ومبررة، ثم بين من آثر التصعيد وعدم ترك الفرصة للالتقاط الأنفاس، وممارسة الكثير من الضغط على الحكومة حتى تستجيب لمطالب الشغيلة كاملة، وهذا كان يبدو مستحيلا، ولكن مع ذلك أصر أتباع هذا الجناح مواصلة الاحتجاجات وعدم توقيف الإضراب إلى أجل غير مسمى، ووضع جميع الاحتمالات في الحسبان، والتي كان من خلالها طبعا قرارات التوقيف الأخيرة عن العمل، وفعلا هذا ما حدث، لأن مؤيدي الطرح الثاني، تشبُّثهم بالتصعيد وعدم العودة إلى الفصول هو الذي جعل الوزارة تبني عليه قراراتها هاته، فلو عاد الجميع إلى الفصل ولو لمدة يسيرة، ثم بعد ذلك يمكن العودة إلى النضال ثانية وفي أي وقت، فالوزارة لن تجد أي سند قانوني تبني عليه قرارات التوقيف التي أقدمت عليها، وبالتالي، يكون هذا التكتيك هو الأنسب لتدبير المرحلة، لكن للأسف، فالبعض كان لهم رأي آخر ووضعوا الشغيلة التعليمية في موقف حرج، وأصبح الجميع الآن يناضل في اتجاه آخر غير الذي كان من قبل.

تتمة المقال تحت الإعلان

الآن، وبعد أن دنت هذه المعركة النضالية من لفظ أنفاسها الأخيرة بمحاسنها ومساوئها، بأخطائها ومكاسبها، وبعد أن هدأت العاصفة، فإن الأمر يقتضي المزيد من الوعي والنضج بالحقوق والواجبات، وأن تستوعب النقابات التعليمية والوزارة الوصية الدروس جيدا، حتى لا تتكرر مثل هذه المآسي مستقبلا، والعمل على تكريس ثقافة حقوقية نقابية في أوساط الشغيلة حتى تكون في مستوى التحديات المطروحة حاليا أو مستقبلا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى