الرأي | “طوفان الأقصى” وأحرار العالم.. إلى أين ؟

بقلم: ذ. الحسن العبد
يرتبط “طوفان الأقصى” بشبّان كانوا أطفال حجارة بالأمس القريب، لكنهم اليوم تحولوا إلى نسور أولياء الحق أولي بأس شديد يطيرون في سماء فلسطين المباركة ليجوسوا خلال الديار دفاعا عن حقهم الشرعي ويثلجوا صدور المؤمنين المستضعفين، بالنصر.. رجال تفضلوا بتوفيق من الله ليسقطوا القنابل، بالمقاومة وليس بالمهادنة.
((وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى))، وينفذون، كما قال أحد رجالات المقاومة، إنزالا جويا في كافة المستوطنات المجاورة لمدينة غزة، وترافقهم العمليات البرية السريعة والخاطفة، التي تدل على رباطة الجأش، والإعلام الحربي المرافق لتوثيق الحدث الفلسطيني، وهذا العمل البطولي كان عنوانه “طوفان الأقصى”، وقد أوردته جل الصحف العربية والدولية، وكل القنوات الفضائية العالمية.
وقد شنت على إثر ذلك إسرائيل المحتلة، وكعادتها، سواء قبل “طوفان الأقصى” أو بعيد العملية الفدائية الفلسطينية، عدوانا وحشيا على قطاع غزة من خلال القصف الهمجي على الأحياء المأهولة بالسكان.. فكيف كان رد الفعل العربي والغربي، بل العالمي تجاه التوحش الصهيوني بدعم أمريكا وحلفائها الأوروبيين؟ وكيف دعم أحرار العالم القضية الفلسطينية؟
بالرغم من وجود اليوم العالمي للتضامن مع فلسطين، فلم يسبق للقضية الفلسطينية أن شهدت هذا الدعم عالميا، في الشهور الأخيرة من هذا العام، وسط حرب شرسة على قطاع غزة من قبل الصهيو-صليبيين، وتزايد التعاطف العالمي الشعبي مع ضحايا القصف الإسرائيلي من الفلسطينيين.
يقول أحد أعضاء حركة مقاطعة إسرائيل في مصر: “إن نفوذ الأحرار المناصرين للقضية الفلسطينية بدأ يظهر عالميا بقوة، ويضغط على الأنظمة الغربية في مواجهة نفوذ اللوبي الصهيوني”.
ولم يشهد العالم بأسره مظاهرات حاشدة كالتي حدثت هذه الشهور، بعد “طوفان الأقصى”، تضامنا مع فلسطين، بل يقود بعضها نشطاء يهود بأنفسهم من جنسيات مختلفة ضد الصهيونية، وهو ما يمثل ضغطا على حكوماتهم لتغيير مواقفها وقراراتها السياسية والحد من دعم الاحتلال الإسرائيلي.
وقد تناقلت مختلف وسائل الإعلام صور المظاهرات المنددة بالمجازر الوحشية للجيش الصهيوني ضد الفلسطينيين بكبريات العواصم في كل أنحاء العالم.
ويقول باحثون وأكاديميون مغاربة: الخروج الكبير للشارع تأكيد على أن فلسطين قضية أمة وقضية مخترقة للأجيال، فحشود المظاهرات حول العالم أسقطت سردية إسرائيل بأنها واحة الديمقراطية.. خروج الناس للتظاهر أعطى صورة مشرفة لشعوب تتطلع إلى الكرامة والانعتاق.. هذه الاحتجاجات هي أولا ضد أمريكا وأوروبا بسبب مواقفهم”.
وقد دعا آلاف المتظاهرين العرب والمسلمين، بمن فيهم المغاربة الأحرار، إلى قطع العلاقات مع تل أبيب، فالوقت مناسب للغاية للوقوف ضد هذا الاستعلاء والجبروت الصهيوني، لكن رغم كبر وعظم تلك المظاهرات، يتساءل البعض: هل تستطيع المظاهرات أن تغير في القرارات السياسية لبلدانها، أم أنها مجرد تنفيس عن الواقع دون أثر فعال؟
ويبقى السؤال الأهم، هو الذي يطرحه الدكتور حسن الراشدي: هل أثرت تلك المظاهرات والفعاليات في سياسات دول الغرب وموقفها مما يجري في غزة؟
هل تنجح هذه التظاهرات في وقف مذابح غزة وإجبار الكيان الصهيوني على إيقاف الحرب؟
والجواب يقول الدكتور: يجب الاستعانة بمقاربة تاريخية لمعرفة هل نجح الضغط الشعبي في الغرب في إيقاف حروب سابقة؟
للأسف الشديد، وإذا ما عدنا للوراء، أي سنوات ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، سنخلص إلى أن طوفان المظاهرات لم يستطع وقف الحرب ببلاد الرافدين، ومضت الولايات المتحدة الأمريكية ومعها حلفاؤها في غزو العراق وتدميره اقتصاديا وتكنولوجيا بعد تدميره سياسيا، ليعود إلى الخلف عدة قرون.
فهل يا ترى سيستطيع أحرار العالم، قادة وقواعدا، تغيير العقلية النيو-إمبريالية الاحتلالية التوحشية لبني صهيون ومعها صليبيي هذا العصر، والتي ترتكز على العنف والقوة وإرهاب الدولة، أم سيتحلون بحكمة المقاومة الفلسطينية التي تنهل من التقوى بعزة المؤمنين الصادقين لمواجهة غطرسة وجبروت قوى آيلة للسقوط، إن اليوم أو غدا، فتحل محلها إمامة المستضعفين؟
خلاصة القول: لقد أوقد انتصار المقاومة والانتفاضة الفلسطينية شعلة أحرار العالم في مواجهة الصهيونية، ومعها الصليبية، وتم إنشاء آليات عمل فكري وميداني تتكامل فيها القضايا الوطنية والسياسية والاقتصادية والبيئية والفكرية، بحسب اهتمام متطوعي المجتمع المدني من الفئات الاجتماعية والمهنية والروحية والنقابات والتيارات بكل أرجاء العالم، من أجل عالم أكثر إنسانية في مواجهة منظومة التوحش.



