الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | لعبة الاستعمار في احتلال كافة مناطق المغرب

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 70"

تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.

وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.

تتمة المقال تحت الإعلان

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
بقلم: مصطفى العلوي

    ينص قرار إلحاق المناطق الصحراوية المغربية بالقيادة العسكرية الفرنسية بالجزائر، على أن احتلال الأقاليم الصحراوية الثلاث مر على ثلاثة مراحل:

تتمة المقال تحت الإعلان

– أولا: احتلال كورارة، أدمجت في النفوذ الفرنسي الجزائري في ماي .1900 – ثانيا: احتلال إقليم تيدكلت، أدمج في النفوذ الفرنسي الجزائري في غشت 1900. – ثالثا: احتلال إقليم توات، أدمج في الحكم الجزائري الفرنسي في يناير 1901.

ولو راجعنا تواريخ موت الضباط الفرنسيين، أعوان الجنرال سيرفيير، في معارك فبراير 1901 ومارس وأبريل المذكورة في الحلقات السابقة.. لاكتشفنا النبوغ العسكري الفرنسي في التدجيل، حيث ألحق إقليم توات إداريا بالنفوذ الفرنسي في الجزائر قبل أن يحتله.

ولقد سميت هذه الأقاليم الثلاث ملحقات، واختير لملحقة كورارة مركز لمقر حاكمها في تيميمون، واختير لملحقة تيدكلت مركز، هو عين صالح، واختير لمحلقة توات مركز، هو أدرار.

فليسجل هذه التواريخ الثلاث كل أولئك الذين يمسكون بأيادي من حديد على هذه المناطق المغربية الثلاث على أنها ليست مغربية، وليسجلوا أيضا أن احتلال الجزائر تم سنة 1830.

وليسجلوا أيضا أن القيادة العسكرية الفرنسية، حينما اتخذت من الأراضي الجزائرية مراكز لضرب الأقاليم المغربية واحتلالها بعد ستين سنة كاملة من احتلالها للجزائر، لم يكن لها من اختيار غير إدماج هذه الأقاليم بعد احتلالها، بالمركز الذي تولى احتلالها.. وهل كان يعقل أن تحتل الجيوش الفرنسية أقاليم مغربية ثم تلحقها بالمغرب ؟

إنه من المنطقي ومن الطبيعي، أنه لو حال الجزائريون دون احتلال دولتهم من طرف الفرنسيين سنة 1830، وبقيت الجزائر مستقلة، بينما لم تحتل فرنسا إلا السنغال، ثم احتلت ثلاثة أقاليم مغربية، لضمتها طبعا إلى مركز قيادتها في السنغال.

وكان الاستعمار منطقيا مع نفسه، فإن تلك المناطق الصحراوية المغربية التي كانت تحتضن المقاومة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، قد تم احتلالها من طرف الجيش الفرنسي نفسه وبمساعدة الجزائريين المجندين.

لقد كان الاستعمار منطقيا مع نفسه.

ولقد صدر في سنة 1902 قرار جمهوري لم يفهم أحد وقتها مدلوله، وهو ضم الأقاليم الثلاثة كلها في قيادة عسكرية واحدة سميت قيادة الصحراء، وكان مقرها تيميمون.

إلا أن السلطات الفرنسية، رغم الاحتلال، ورغم القوة، ورغم الحديد والنار.. وجدت نفسها تعيش في الأقاليم المغربية الثلاث المحتلة مع سكانها، تفصل بينها وبينهم جثث أبنائهم، ولا تغوص أقدام جنود الاحتلال في دماء شهدائهم، وكيف يتم التفاهم بين جيش محتل وشعب محتل، وبين كل منهما روابي من أجسام شهداء ذلك الشعب المحتل ؟

ووجدت فرنسا نفسها بعد الاحتلال أمام المشكل كاملا، إذ أصبحت متورطة أمام الرأي العام المغربي والدولي، وأمام الرفض التام لسكان الأقاليم الثلاث المحتلة.

ولكن اليد الطولى للحكومة الفرنسية داخل الجهاز الحكومي المغربي، قد تمهد لإقبار التزامات فرنسا في اتفاقية سنة 1845 باحترام حدود المغرب، وتبحث عن طريقة لتعويضها باتفاق جديد ينطلق من سياسة الأمر الواقع، وبالتالي، تغيير الحدود وكل المفاوضات بشأن تغيير الحدود، سيكون معناها أن المناطق المحتلة ليست طرفا من الجزائر، ولو كانت كذلك لما كانت اتفاقية 1845، ولو كانت طرفا من الجزائر لاحتلتها يوم احتلت الجزائر.. وكان هذا هو جوهر الأزمة.

وقتها، وأيام هذه الأزمة، صدرت الفتوى من دهاة السياسة الفرنسية: احتلوا المغرب كله، أو أدمجوه في النفوذ الفرنسي، وبذلك تخرجون من الأزمة الخانقة والفضيحة الدولية، ومع الأكل تتفتح الشهية، لكن كثرة الأكل تحدث عسر الهضم عادة.. فقد تم في منطقة الريف على شاطئ الحسيمة، الانتقام لاحتلال فرنسا للأقاليم الصحراوية، وذلك باغتيال أحد الفرنسيين ويسمى بوزي، وهو حادث قدرته فرنسا حق قدره وعرفت مدلوله، فجعلت منه قميص عثمان مهددة باحتلال قبائل كبدانة.

موت فرنسي في الحسيمة يثير ضجة، وتقتيل آلاف المغاربة في الصحراء المغربية يمر في طي الكتمان.

وهي وقاحة أو خبث لا ندري، وإنما هي في الواقع الحجة التي تعرض بها الوزير الفرنسي للشؤون الخارجية، ديلكاسي، على مبادرة السلطان عبد العزيز، بإرسال وزير خارجية المغرب عبد الكريم بنسليمان، إلى باريس.

كان الوزير المغربي عبد الكريم بنسليمان داهية لبقا، ولكن ماذا ينفعه دهاؤه ولباقته أمام ديلكاسي، الذي كانت تسنده أجهزة ومخابرات وجيوش ودراسات، بينما مهمة عبد الكريم بنسليمان انطلقت من عدم ومن فراغ، وكانت ولاشك أول مبادرة للسلطان عبد العزيز بعد أن أصبح سيد أمره.

فقد كانت مهمة بنسليمان لا تخلو من ذكاء.. اتجه إلى باريس، وإلى سان بيتيرسبوغ عاصمة روسيا، التي أصبحت اليوم تسمى لينينغراد، للاحتجاج على احتلال فرنسا لأطراف المغرب في الصحراء الشرقية، ولرسم الحدود التي ينص عليها اتفاق 1845 بين الجزائر المحتلة والمغرب المستقل.

لهذا رفض ديلكاسي استقبال الوزير بنسليمان، إذ كيف يجلس وزير خارجية المغرب ووزير خارجية فرنسا للتفاوض في تخطيط حدود نص عليها اتفاق 1845، حيث لم ترسم الحدود في ذلك الوقت وتوقفت عند نقطة غامضة غير بعيد من وجدة، في انتظار تحديدها شرقا، بينما القوات الفرنسية احتلت كل المناطق الشرقية التي ينص اتفاق 1845 على أنها طرف من المغرب.

وتراجعت فرنسا عن تعرضها لمهمة الوزير بنسليمان، الذي أقلعت باخرته يوم 12 جوان 1901 في اتجاه مرسيليا.

واستعدت فرنسا لاستقباله، فحضرت موقفها وملفاتها.. وبذلك بدأت المناورات.

إن فرنسا ترغب على الأقل في أن يرخص لها المغرب بمرور خطها الحديدي – المرسوم أيام الحسن الأول – عبر طريق واد الزوزفانة ووادي الساورة في اتجاه السنغال.

أما موقف فرنسا من المناطق المحتلة في كورارة وتدكلت وتوات، فقد كان أشبه ما يكون بموقف إسرائيل من الأراضي التي احتلتها سنة 1967.

فهذه الأراضي المحتلة – في نظر فرنسا – ذات أهمية أمنية واقتصادية بالغة، لكن فرنسا مقابل ذلك، ترغب في حسن الجوار مع الدولة المغربية في حدودها الآمنة.

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى