الحقيقة الضائعة

الحقيقة الضائعة | مناورة العملاء المأجورين في أيت باعمران واتفاق ثلاثاء الاخصاص

المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 182"

تلبية لطلب قراء “الأسبوع” الأوفياء، المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” الذين يطالبوننا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا.. يستمر طاقم الجريدة في تقديم جزء مما تركه الراحل من مؤلفات تاريخية.

كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، والذي نشرنا الأجزاء الثلاثة منه المتضمنة لأهم الأحداث التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، ثم مراحل الاحتلال.. نواصل تقديم الجزء الرابع: “الحرب المغربية- الفرنسية- الإسبانية (1906-1936)” الذي يحمل تفاصيل المقاومة المغربية ضد الاحتلال، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

تتمة المقال تحت الإعلان
مصطفى العلوي
بقلم: مصطفى العلوي

في سنة 1932 الموافق لسنة 1350هـ، قام الإسبان بمحاولة جديدة للاستيلاء على أيت باعمران، وكانت المحاولة بمساعدة مباشرة من الشيخ البشري ابن ماء العينين، وجملة من أعوانه وأقاربه، الذين سبق أن اتصل بهم الإسبان وتواطأ معهم على النزول بالمنطقة، ربما مقابل أطماع وعدوه بها، فأرست باخرة إسبانية بالشاطئ بميناء إفني، وأنزلت كمية هامة من الجنود ورجال الإدارة، فما كان من الباعمرانيين من مختلف قبائل أيت باعمران إلا أن تصدوا لهم حالا بالمقاومة المباشرة والمحاربة الشديدة، فقتل عدد هام من الإسبان ورُدوا على أعقابهم، ورجعوا أدراجهم كما قتل معهم رائدهم الشيخ البشري ابن ماء العينين في نفس المعركة، وقتل الترجمان سالم ولد مبارك أزركي، ودفن الشيخ البشري أمام الجامع الكبير بإفني، ولما تم الاحتلال سنة 1934، بنى الإسبان عليه قبة بصفته وليا صالحا، أما سالم، فدفن بالمقبرة.

تتمة المقال تحت الإعلان

وأخذ المجاهدون أسرى عديدين من عائلة أبناء ماء العينين كانوا إلى جانب شيخهم البشري، واحتفظوا بهم مدة إلى أن جاء أخوه القتيل الأمير مربيه ربو، الذي بويع حينها أميرا في المنطقة بعد وفاة أخيه أحمد الهيبة، فتدخل بشأن هؤلاء الأسرى، ولم يطلق سراحهم إلا بعد أن أتى مربيه ربو إلى أيت باعمران معتذرا ودفع فدية مالية بمبلغ ألف ريال حسنية، وانتهت المحاولة بانكسار خاسر للجانب الإسباني، الذين أتوا من الخارج، وللعملاء المتواطئين من الداخل.

تتمة المقال تحت الإعلان

شبكة لزرع النزاعات وضرب القبائل

وخلال الفترة الفاصلة بين سنة 1916 و1934، كان نفوذ الحماية الفرنسية قد انتصب ما بين أكادير وتزنيت ولم يمتد وراء هذه الأخيرة، فتمركزت فيها السلطة الفرنسية بواسطة ومساعدة جملة من القواد المتعاونين كان في مقدمتهم الطيب الكنتافي، الذي استمر حكمه بتزنيت والمعذر ومجموع القبائل شمالها، نحو أربع سنوات، أراح الفرنسيون سكان تزنيت وناحيتها من قهره واستغلاله وتسلطه بعدها، فنقلوه إلى مقره بمنطقة كنتفاة قرب مراكش، يوم 4 شوال 1339هـ/1920م.

وطيلة الفترة المذكورة، كانت سلطات الاحتلال تعمل من تزنيت، بواسطة شبكة من العملاء المأجورين الجواسيس، على زرع النزاعات وإثارة الحروب والأحقاد القبلية أملا في تشتيت وحدة قبائل أيت باعمران وضرب بعضها تمهيدا ليوم الاستيلاء عليها والتمكن من إخضاعها لنفوذ الحماية، وكان القائد عياد الجراري يستخدم كوسيط في هذه العملية، ولكن في واقعه الداخلي يمقت المحتلين، فكان يساعد الباعمرانيين سرا ويشجعهم على المقاومة والصمود، وأخيرا شك فيه الفرنسيون، فاعتقلوه مدة بالجديدة، ثم أرسلوه فمات فور إطلاق سراحه.

سلسلة محاولات إسبانية أخرى رُدَّت على أعقابها

هذا، وإلى بداية سنة 1916، لا يزال الغموض يكتنف وضعية إفني وأيت باعمران حول تبعيتها لمنطقة الحماية الفرنسية أو الإسبانية، فكان كل منهما يريد أن يبادر بوضع اليد عليها، ولكن في شيء من التردد والقلق، وكان صمود الباعمرانيين حاسما في هذا التردد، وفي 27 نونبر 1916، أبرم اتفاق آخر بين فرنسا وإسبانيا ينص على تخصيص مناطق في الجنوب لإسبانيا.

وفي نهاية نفس العام، قامت قوات إسبانية بمحاولات متكررة لاحتلال إفني فأخفقت كلها، وبعد ثلاث سنوات، وفي أبريل 1919، قام الجنرال بنيز بمحاولة جديدة، فاضطر للفرار أمام المقاومة الشديدة، وتوالت محاولات عدة في سنتي 1921 و1925، وفي سنة 1933 رُدَّ الأميرال لوبو على أعقابه من سواحل إفني مهزوما.

هذه سلسلة ملاحم من المقاومة الشعبية في سيدي إفني وعلى طول السواحل الممتدة حواليها، انتهت في 6 أبريل باتفاقية خاصة بين الباعمرانيين والإسبان كما سيأتي.

اتفاقية ثلاثاء الاخصاص مع فرنسا

كادت سنة 1934 نفسها أن تنتهي باحتلال الجنوب، الذي بقي بما فيه أيت باعمران، والذي بقيت أجزاء كثيرة من الأطلس الصغير وجنوبه غير خاضعة لسلطات الحماية، فجندت خمس فرق من جيشها النظامي لهذه المهمة، تواردت بعضها من كولومب بشار عن طريق تندوف وفم الحصن، والبعض الآخر عن طريق أكادير وتزنيت وأيت باها وتافراوت، على أن يكون الملتقى لفرقتين منها في بويزكارن لتطويق أيت باعمران من الشمال والشرق، وكانت الحملة كلها وبكل فرقها تحت قيادة الجنرال كاترو.

تقدمت الفرقة الرابعة إلى أيت باعمران فتصدى لها المجاهدون على ممر تيزي، فدارت معركة حامية وقاسية من الجانبين استشهد فيها عشرات من المجاهدين، من بينهم محمد الحسن إيبوكاض العركوبي، وأحمد بن عبلا البوبكري، ورغم ضربات العدو الشديدة وتفوقه الواسع في العدد والعدة، فقد استبسل المجاهدون وقاتلوا بضراوة وصمود.

وهنا تحركت إسبانيا بالاحتجاج على فرنسا ومحاولتها احتلال المنطقة، التي في زعم إسبانيا هي من الأراضي المخصصة لها في الاتفاقيات المبرمة بينهما، فدخل الطرفان المتحاربان، الباعمراني والفرنسي، إثر المعركة، في مفاوضات للصلح انتهت باتفاقية وقعت من الجانبين، فرنسا وأعيان أيت باعمران، في ثلاثاء الاخصاص، تتضمن إجمالا الالتزامات الثنائية التالية:

– أولا: يلتزم المخزن (فرنسا) بأن لا يدخل أراضي أيت باعمران التي هي في المنطقة الإسبانية حسب حدود ستحدد فيما بعد؛

– ثانيا: يلتزم الباعمرانيون من جهتهم، باحترام وثيقة الصلح المعقودة بينهم وبين المخزن، والمصادقة معه بالإحسان؛

– ثالثا: يلتزم الباعمرانيون بحفظ وسلامة المراكب البحرية والطائرات الفرنسية التي قد تقع بمنطقتهم، وبتقديم يد المساعدة لمن يكونون فيها، وإرجاع الجميع إلى المخزن بدون مقابل؛

– رابعا: السماح لسكان المنطقتين، الفرنسية والباعمرانية، بتبادل التجارة في أسواقهم، ما عدا من هم ضد المخزن.

بهذه الاتفاقية انتهت أطماع الفرنسيين في أيت باعمران، وتوقفت تحركاتهم لاحتلالها عند حدود الاخصاص السيحل، وأصبحت المنطقة مفتوحة أمام المطامع الإسبانية وفق الاتفاقيات المبرمة بين الدولتين.

ورأى الباعمرانيون في هذه الاتفاقية نوعا من الانتصار وإثبات الذات، فإنها في ظروف عدم التكافؤ في القوتين وفي الأجهزة والتنظيم الحربي بين الجانبين، تعتبر سياسيا اتفاقية بين جانبين لكل منهما خصوصيته وموقعه ومصالحه المعتبرة الخاصة، روعيت في الاتفاق، والتزم كل من فرنسا وأيت باعمران بمقتضياته.

إسبانيا.. اتفاقية موقعة مع السكان

وبعد إبرام اتفاقية فرنسا وأيت باعمران بثلاثاء الاخصاص، ووضوح أن فرنسا تخلت عن المنطقة لصالح إسبانيا، اتجهت هذه الأخيرة مباشرة إلى أيت باعمران، التي كان سكانها قد أدركوا أنه لا قِبَل لهم بمواجهة دولتين قويتين، وكان انحيازهم لإسبانيا بدلا من فرنسا اعتبارا بأن إسبانيا – في تصورهم – لا تحكم بالعرف، بل تحترم الشرع الإسلامي، وارتكابا لأخف الضررين واتقاء لأكبر الخطرين.

ومهدت إسبانيا للأمر بأن أوفدت أحمد بن البشير المستاوي من تطوان إلى سيدي إفني، وهو مجند باعمراني سابق في الجيش الإسباني، للاتصال بالباعمرانيين وإقناعهم بترك الإسبانيين ينزلون بإفني دون مقاومة ومجابهة، فاجتمع أعيان البلد فيما بينهم لتبادل الرأي في الأمر، فاختاروا بعد بضعة أيام من النقاش وتقليب الأمر على كل وجوهه، أن ينحازوا لإسبانيا ارتكابا لأخف الضررين، إذ فقدوا الكثير من أبنائهم وأموالهم في الحروب السابقة، على أن يكون الانحياز بشروط معينة.

وفي 6 أبريل 1934، وبناء على التمهيد، حلت بميناء إفني باخرة إسبانية على ظهرها الكولونيل كاياص، على رأس فرقة من الجنود والمدنيين، وحاول إقناعهم بأن هذه المنطقة وبمقتضى “اتفاقية تطوان” لسنة 1859، تعتبر من ممتلكات إسبانيا، فرفض الباعمرانيون ذلك، ورفضوا التعامل مع إسبانيا والتسليم بوجودها في أرضهم إلا بمقتضى اتفاقية جديدة يعقدونها ويتولون إمضاءها بأنفسهم، ولما لمس إصرارهم، طلب مهلة أسبوعين لمراجعة مدريد وعرض اقتراحهم للموافقة، على أن يلتزموا بأمنه وسلامته طيلة فترة الانتظار، ففعلوا.

 

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى