الحقيقة الضائعة | سوس العالمة بين المجاهدين والعملاء..
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 180"
تلبية لطلب قراء “الأسبوع” الأوفياء، المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” الذين يطالبوننا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا.. يستمر طاقم الجريدة في تقديم جزء مما تركه الراحل من مؤلفات تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، والذي نشرنا الأجزاء الثلاثة منه المتضمنة لأهم الأحداث التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، ثم مراحل الاحتلال.. نواصل تقديم الجزء الرابع: “الحرب المغربية- الفرنسية- الإسبانية (1906-1936)” الذي يحمل تفاصيل المقاومة المغربية ضد الاحتلال، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.

سوس المجاهدة، سوس العالمة، كانت بدورها قلعة صامدة ضد الغزو الأجنبي لا بعد الحماية، بل قبلها أيضا.
ذلك أن سوس تختلف في طريقة جهادها قدر اختلافها في عاداتها وتقاليدها، في ماضيها وحاضرها، لذلك تعامل معها الاحتلال الفرنسي بطريقة خاصة، وافتتحوا المحضر الخاص بجهاد سوس ضدهم بهذه العبارات: ((لم تستطع جيوشنا زمنا طويلا أن تتدخل في سوس رغم أن عملا عسكريا هناك كان ضروريا)).
وسوس تعني في المفهوم الاستراتيجي “باب الصحراء وشنقيط”، وتعني أيضا الكيان الذي كان قائما على التاريخ والعلم والشهامة.
سوس تسكنها قبائل بربرية كلها عربية الأصول، منتشرة من سفوح الأطلس الكبير إلى نهر السينغال.
ويروي المؤرخ المرحوم محمد المختار السوسي في كتابه: “إيليغ”، أن جذور القبائل السوسية كلها من قبائل العرب، كالمغافرة اليمنيين، وآل أكرامو السملاليين، والأنصار أحفاد الأوس والخزرج، وأحفاد أبي أيوب الأنصاري، الذي شهد مع الرسول غزوة بدر، والإزديين سكان قرية تازونت، المنحدرين من الصحابي عكاشة بن محصن، والبكريين، والتميميين والقرشيين.
ولهذا كانت سوس مهدا لأمجاد كبرى كانت تستمد أصالتها من عروق إسلامية، امتدت إليها فجمعت معها كل عناصر الرفض للكفر والإلحاد، وكل مقومات الدولة الإسلامية، فنجد قبيلة بني وكاك – مثلا – تنتسب إلى العلامة وكاك بن زلو، أستاذ الفاتح عبد الله بن ياسين، مؤسس الدولة المرابطية، وهو حفيد الرسول عن طريق جده المولى إدريس بن عبد الله الكامل، ونجد قبيلة سملالة، التي يتصل نسبها بالإمام علي بن أبي طالب، واللائحة طويلة..
ولكننا نجد هذه القبائل تقيم كيانات محلية لصون النظام ورعاية الدين دون إنكار النفوذ السياسي لملوك المغرب؛ ففي سوس كانت للدلائيين صولة وجولة، وكانت لعائلة بودميعة، وقبلها عائلة سيدي بن احماد وموسى، صلات وثيقة مع الدول المغربية الكبرى، وروابط رسمية مع عدد من أقطاب الحكم العالمي، نتيجة الأطماع التي لم تتوقف في شواطئ أكادير والساقية الحمراء، فجعلت هذه المنطقة مرسى لكبريات البوارج الحربية والتجارية عبر التاريخ، بل إننا لا ننسى محاولات الدولة الألمانية إقامة كيان معزول في أكادير سنة 1911.
عناصر كثيرة جعلت الفرنسيين يقفون طويلا مفكرين قبل أن يغامروا بدخولهم إلى هذا الإقليم.
ثم إن إمضاء عقد الحماية صادف تحالف الهيبة ابن ماء العينين، مع عدة قبائل سوسية، واتساع نفوذه من السمارة إلى مراكش، ودعمه من طرف الألمانيين الذين استمروا في محاولاتهم إلى سنة 1930، وهي السنة التي لم يكن الفرنسيون فيها قد دخلوا منطقة إيليغ، مهد الكيان السوسي الكبير.
ثم إن هذا التباطؤ الفرنسي في تفادي دخول سوس إلى سنة 1926، كان له مبرر آخر، وهو انتظار القوات الفرنسية الكاسرة التي كانت تنهش الجسم الشنقيطي وتقاتل على الجبهات الثلاث من تيجيكدا إلى واد الشناشن حتى تنهي مهمتها، لذلك نجد الكولونيل ترانكي، الخبير في شؤون شنقيط، والذي سميت منطقة بير مغرين في موريطانيا الحالية باسمه، نراه يأتي إلى سوس سنة 1929 ليحارب وليوسع رقعة الاحتلال إلى تندوف، التي خاض فيها معارك ضد القبائل المغربية التي جاءت لمحاربته من جنبات سوس كما سيأتي تفصيله.
عوامل عدة أخرت القرار الفرنسي بخوض المعارك في سوس، وإن كان هذا لا يعني أن سوس العالمة استسلمت للجيوش الفرنسية، كما يظهر ذلك من كتاب: “إيليغ” للمرحوم محمد المختار السوسي، الذي مر مرور الكرام، غفر الله له، على جهاد سوس ضد الاحتلال الفرنسي، حتى ليكاد يُفهم من تاريخه أن السوسيين حاربوا عائلة ماء العينين باتفاق مع الفرنسيين.
حَيْدا بن ميس.. نهاية جبار
لقد بدأت معارك الحرب الفرنسية في سوس داخل شوارع مراكش عندما جاء الهيبة ابن ماء العينين لضرب الفرنسيين، لا للاستيلاء على الملك، كما تقول بعض الوثائق المكتوبة من محبرة الاستعمار الفرنسي (كما سبق ذكره في حلقات سابقة)، وما عاناه الفرنسيون مع هذا الصحراوي الذي سماه ليوطي “الفيضان القادم من الصحراء”، جعلهم يشكلون قيادات إقطاعية كبرى يضعون على رؤوسها قوادا أمثال الكلاوي والمتوكي، والإقطاعي الجبار حَيدا بن ميس، والحاج الحسن الجلولي، ووضعوا بين أيديهم الأسلحة الفتاكة والمجندين المرتزقين، وأطلقوا لهم الأيادي في بلاد الأمجاد الإسلامية، سوس.
وكان الفرنسيون يعرفون أن أفضل طريقة لمحاربة السوسيين وأنصارهم الصحراويين، هي المناورات والمؤامرات، وإطلاق بعض القبائل البربرية المجندة في صفوف الجيش الفرنسي، على إخوانهم في الجنوب.
ويعرف الفرنسيون أيضا أن منطقة سوس عريقة الارتباط ببعض القوات الأجنبية الأخرى التي كانت تتنافس مع الفرنسيين على احتلالها، مثل الألمانيين، وخصوصا الإسبانيين، الذين كانوا قد احتلوا الساقية الحمراء، ووادي الذهب، وجعلهم عداؤهم للفرنسيين يحولون مناطق نفوذهم إلى ملاجئ ينطلق منها المجاهدون، فكانت الجيوش الفرنسية المغربية بقيادة قواد الإقطاع تتحرك بعد أن تفتح لها الباخرة الحربية الفرنسية “دوشايلا” الطريق بواسطة القصف المدفعي الذي بدأ في مايو 1913.
كما كانت القيادة الفرنسية لا تثق مطلق الثقة في القبائل المغربية المحاربة تحت رايتها، لذلك أحضرت من الجيش الفرنسي بالجزائر، ضابطا جزائريا برتبة ليوتنان، يسمى بن سديرة، لمراقبة التحركات وإسداء النصح لقواد الإقطاع. بن سديرة هذا، هو الذي كان يدرب جنود السلطان على استعمال المدافع المُهداة من فرنسا، وكانت قوات الجهاد ملتفّة حول الهيبة ابن ماء العينين، الذي انتقل بعد هزيمته في مراكش إلى قلب سوس.
واستقر الهيبة في تزنيت، وكان محتاجا للسلاح الذي كانت عدة بوارج ألمانية تُنزله في موانئ وادي الذهب وسيدي إفني.
وكانت جيوش الهيبة في الفترة الواقعة في فبراير 1915، قد تعززت بجيوش صحراوية أخرى يقودها أخوه المربيه ربو، الذي كانت له مع الجيوش الفرنسية صولات وجولات استمرت أكثر من عشرين عاما.
واضطر الفرنسيون – رغم إصرارهم على التفرج فقط – أن يبعثوا الكولونيل لاموت لينزل من باخرة حربية في أغبالو يوم 24 يوليوز 1915، ليعطي تعليماته عن قرب.
وعندما كانت الجيوش الفرنسية تخوض المعارك ضد قوات المربيه ربو قرب تزنيت وأكلو، معارك كان يسهم فيها القصف المدفعي الفرنسي برا وبحرا، فتح ولد ثالث لماء العينين اسمه النعمة، جبهة أخرى في ويجان، ويوم 19 شتنبر 1915، قالت الوثائق الفرنسية: ((كبدتنا جيوش النعمة خسائر فادحة جدا)).
واستفحلت حالة الجيوش الفرنسية في نهاية سنة 1915 حينما هبت قبائل أيداونافيد وقبائل أيداوزدوت، لنجدة جيوش الإخوة ماء العينين.
و((في أكتوبر 1915، انقلبت جيوش من أيت إيغرن على قوادها الفرنسيين وعملائهم المغاربة، وأفنوا كتيبة بكاملها))، حسب الوثائق الفرنسية.
وانقض الإسبانيون على الفرصة السانحة نتيجة تفكك جيوش الاحتلال الفرنسي، فاحتلوا ميناء طرفاية في جوان 1916.
واضطر هذا الموقف المتردي الجنرال ليوطي ليحضر بنفسه إلى ميناء أكادير في 22 شتنبر 1916، أول زيارة له للمنطقة، وهو المقيم العام الفرنسي الذي لا ينتقل إلا إلى المناطق التي يشعر فيها بالخطر يهدد مخططاته.
وصادفت وصول الجنرال ليوطي حادثة كادت أن تؤدي إلى نشوب حرب فرنسية ألمانية على شواطئ المغرب، حينما جاءت غواصة ألمانية إلى شواطئ المغرب عند مصب نهر درعة، وأخذت في 15 نونبر 1916 تفرغ صناديق الأسلحة لفائدة ماء العينين، لكنها غاصت في البحر بمجرد وصول إحدى البوارج الفرنسية، ونزل من الغواصة الألمانية مع الأسلحة خبراء ألمان بينهم الدكتور بروبستر، الذي جاء للاجتماع بأولاد ماء العينين، وللتخطيط لتحالف ألماني معهم، لكنه تحالف لم يسفر عن شيء، فخرج الخبراء الألمانيون خفية من ميناء طرفاية، حيث أبحروا إلى الجزر الخالدات.
واجتمع ليوطي بالعميل القائد حيدا بن ميس، وأمره بأن يعجل بتصفية جيوش ماء العينين.
وفعلا، وضعت القيادة الفرنسية رهن إشارة العميل حيدا بن ميس جيوشا جرارة، تحركت في فاتح يناير 1917 في اتجاه أيت باعمران، وهناك اشتبكوا مع المجاهدين في معركة استمرت عدة أيام..
وهكذا نجد الفرنسيين يلجؤون في كل معاركهم إلى استعمال المناورات، وتأليب الإخوة على إخوانهم.
وتصف الوثائق الفرنسية هذه المعركة هكذا: ((لقد نفد العتاد من جيوش حيدا بن ميس، وقتل هو شخصيا في المعركة، وبدأ الانهيار الكامل، وجنودنا يهربون تاركين أسلحتهم. لقد تركوا حتى المدافع، هاربين في اتجاه تزنيت)).
لم يذكر مؤرخو هذه الحرب من الفرنسيين أي رقم للأموات؛ فقد كان أغلبهم من المجندين المغاربة، فلم يكونوا أهلا لدخول التاريخ، ولكن هناك عنصر جديد في هذه المعركة – ربما أخفاه الفرنسيون – ذلك أن القايد حيدا بن ميس ربما لم يقتل في هذه المعركة بالطريقة التي ذكرها الفرنسيون، لأنهم لم يحضروا المعركة.



