الحقيقة الضائعة | عندما هزمت خناجر القبائل المغربية بنادق الاستعمار
المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية "الحلقة 161"
تفاجأنا في “الأسبوع” بكم هائل من رسائل القراء، وخصوصا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تطالبنا بالاستمرار في نشر كتابات مؤسس جريدتنا، المرحوم مصطفى العلوي.
وتلبية لطلب هؤلاء القراء الأوفياء المتعطشين لصفحة “الحقيقة الضائعة” التي غابت عنهم هذا الشهر، تعود هذه الصفحة بقلم الراحل مصطفى العلوي لتقديم جزء مما تركه من مؤلفات ذات قيمة تاريخية.
كتاب “المناورات الأجنبية ضد السيادة المغربية” الذي صدر في خمسة أجزاء، نستهلها بنشر الجزء الأول الذي يهتم بالمراحل التي كان عليها المغرب قبل الاحتلال، أيام السلطان الحسن الأول، ثم مراحل الاحتلال، ومراحل مقاومة الاحتلال، ثم الاستقلال في الأجزاء التالية، حيث سيجد القارئ عناصر تنشر لأول مرة.
تتمة المقال تحت الإعلان

كانت أكبر معركة عرفتها منطقة أيت يوسي بعد وصول الحشود الفرنسية، قد حصلت في أيت موحاند يوم 20 مايو 1923، حيث حوصرت القوات الفرنسية، واضطرت لطلب النجدات رغم كثرتها؛ فقد اختلط الحابل بالنابل في جبل بوعرفة، وتكاثرت التناقضات بين الكولونيل كالي والكومندان دوفينو والكولونيل نيفل والكولونيل لوستال، وحتى الجنرال بويميرو الذي حضر للمشاركة في المعركة.
ولجأ المؤرخون الفرنسيون إلى السماء ليحتموا بها في هزيمتهم وكتبوا عن هذه المعركة: ((لقد هبت عاصفة هوجاء وسيول من الأمطار والجليد – هذا في 20 مايو – وغطى الضباب كل المنطقة وازداد القصف من حولنا، ووسط هذه الأجواء، كان البرابرة يتقدمون نحونا زاحفين على بطونهم شاهرين خناجرهم)).
ورغم هذا، اعترف الفرنسيون بأنهم خسروا في هذه المعركة ثمانية وثلاثين قتيلا، بينهم الليوتنان فالنتان والضابط الترجمان اليهودي، ليفي، إضافة إلى 80 جريحا.
وتم إيقاف إطلاق النار خمسة عشر يوما، ولكن الجنرال بويميرو كان يرتب شؤونه جنوب منطقة القتال، في منطقة بوخموج، ونظم شؤونه بعد وصول قوات جديدة بقيادة الكولونيل كامباي، وقوات بقيادة الكولونيل دوغيني، وقوات بقيادة الكولونيل دوشامبران، وقرروا جميعا طرد المغاربة من جبل بوخموج.
لكن معركة بوخموج، وكانت يوم 9 جوان 1932، حولتها قبائل أيت سغروشن ومرموشة إلى مقبرة قتل فيها الليوتنان كاستيلاني، والليوتنان فريري، والليوتنان لاتريل، أضيفوا إلى واحد وسبعين قتيلا آخرين و159 جريحا بينهم ستة ضباط، وفي يوم 10 جوان – اليوم الموالي – قتل ستة جنود آخرين وجرح 14.
معركة أخرى من هذا المستوى كانت في المرس، خاضها الجنرال تيفني بجمع قواته ضد أيت سغروشن يوم 22 جوان 1923، وقتل فيها رئيس حاميته القبطان جواني وقتل فيها القبطان باكي، وقتل فيها الليوتنان كروس ديديي، وقتل فيها الليوتنان سان مارتان، وقتل فيها الليوتنان بيرجي والليوتنان فابر، وقتل فيها واحد وستون جنديا فرنسيا، وجرح 178، بينهم أحد عشر ضابطا.
ولم يحتل الفرنسيون مركز المرس، وإنما استقروا يوم 26 جوان في قصبة إيكريني، بعيدا عن المرس، وقرر الفرنسيون الاكتفاء بمراقبة جبل تيشوكت، الواقع في قصبة أيت سغروشن.
وفي معركة دامت من 25 جوان إلى 12 يوليوز 1923، لم يستطع الفرنسيون أخذ موقع قدم من جبل تيشوكت، ولكنهم فقدوا تسعة قتلى و23 جريحا دون نتيجة.
سنة 1932.. الجيش الفرنسي وجبل الشيخ الممتنع
إن ميادين المعارك كانت تزداد شساعة بقدر ما كانت تزداد طولا.. فقد كانت القيادة العسكرية الفرنسية انطلاقا من تادلة، مكناس، فاس.. تعاني من إصرار القبائل على الرفض، وكانت تعاني أكثر من طول المسافات وطول الآجال.
لقد كانت آخر معركة شهدناها مع قبيلة أيت سغروشن – في منطقة المرس في جوان 1923، وفي جبل تيشكوت في يوليوز 1923 – تبلور فيها التشبث النموذجي للمغاربة بجبالهم وكأنها أوتاد وطنيتهم، ولقد كان تشبثهم بها فعلا نموذجيا لدرجة أن الفرنسيين الذين استعملوا عبقريتهم ودهاءهم وقوتهم في فرض تلك السيطرة على بعض المدن من سنة 1912 إلى سنة 1922، لم يستطيعوا فرض تلك السيطرة على مناطق الأطلس، وعندما يقال إن الفرنسيين لم يحتلوا المغرب كله، تظهر في ذلك المبالغة، فما بالنا إذا استعرضنا معارك أخرى شمال منطقة الأطلس المتوسط، وبالتحديد عند جبل العياشي، الجبل الذي يحتفظ بلحيته الثلجية البيضاء طول السنة، فتزيده هيبة وجلالا.
هذا الجبل الذي استعصى على الفرنسيين واستمرت المعارك حوله إلى سنة 1932، وهي السنة التي قرر فيها الفرنسيون، وبأي ثمن، احتلال سفوح الجبل، ووضع حد لنفوذ قبيلة أيت حديدو، وزعامة سيدي المكي أمغار قبيلة مهاوش، التي تفرعت منذ سنة 1912 عن قبائل زيان.
لكن ها هو الجبل، جبل العياشي، وها هو العتاد، وها هم الجنرالات.. فكيف السبيل إلى قمة الجبل، إلى القمة التي كان الضباط الفرنسيون يسمونها “قالب السكر” ؟
لقد اجتمع الجنرال كودو من قيادة مكناس، والجنرال دوبويسون، والكولونيل بيساي، والكولونيل مارتان، وهم من القيادة العسكرية بتادلة، ووضعوا الخرائط أمامهم ودرسوا جميع الطرق والوسائل، وكانت أجهزة الإعلام الفرنسي تذيع في تلك الأثناء من سنة 1932، أن المغرب استسلم، وأن فرنسا سيدة الوضع.. فماذا يمنعهم إذن من تسلق جبل العياشي ؟
فقد جمعوا أحسن القبائل المغربية المندرجة في الجيش الفرنسي، وأكثر الجنود الجزائريين تمرسا في معارك الجبال، وأحضروا الأخصائيين، ووضعوا خطا أحمر تحت أقرب المواقع الأساسية للوصول إلى الجبل، قمة آنفكو، واختاروا فصل الصيف تفاديا لمشاكل الثلج، وتحركوا يوم 12 يوليوز 1932، وبدأت المعارك بين الجيوش الفرنسية المتحركة وقوات أيت حديدو غير المرئية، وكل صخرة في جبل العياشي تخفي الموت الأحمر، وعند منطقة أغرست، فوجئ الكولونيل مارتان بأن قواته كلها قد هربت.
وانسحب الفرنسيون من محاولتهم الأولى ليعدوا قتلاهم، وعددهم 124 و9 جرحى، وقال المؤرخ العسكري الفرنسي فوانو: “إنه انتصار عظيم”. طبعا انتصار عظيم لأن أغلب القتلى كانوا من المجندين المغاربة والجزائريين.
وكانت المحاولة الجديدة للجيش الفرنسي هي مفاوضة المجاهدين ومحاولة ربط الاتصال مع زعيمهم سيدي المكي، ولكن كل محاولات المفاوضات فشلت.
وانضافت حامية جديدة بقيادة الجنرال لوستال، وصلت في 14 غشت 1932، وتجددت المعارك من 14 غشت إلى 5 شتنبر 1932، وكان الفرنسيون يتحركون بالليل فقط.
وبفضل هذه الخطة، استطاعت قوات الكولونيل ريشير الوصول إلى إحدى قمم الجبل، قمة أهرينموم، وبها نصبت المدافع التي بدأت لتوها في قنبلة جميع أطراف المرتفعات.
وفي 23 غشت، هاجمت قوات أيت حديدو تجمعات الفرنسيين في منطقة تازرا، فقتل للفرنسيين عسكريان وجرح أحد عشر.
وفي 24 غشت، هاجم الثوار بطريقة عشوائية تجمعات الكولونيل بيرو، وكانت الرشاشات توجه طلقاتها إلى صدور المهاجمين المغاربة، فلا يتوقفون، بل إنهم طردوا الفرنسيين مع موقع أكيدو، وقتل من الفرنسيين في هذه المعركة عشرة جنود وجرح واحد، فقرر الفرنسيون التراجع إلى مواقعهم الأصلية في انتظار إمدادات من مكناس.
وفي سابع شتنبر 1932، عاد المجاهدون المغاربة للهجوم على تمركزات الفرنسيين الذين أرادوا التحرك في الثالثة صباحا، فكان لهم المجاهدون بالمرصاد: ((لقد هاجمونا بالخناجر وحدها، وأرغمونا على إجلاء الموقع.. لقد قتل رئيس الموقع العسكري)).
لم يقتل الضابط رئيس الموقع العسكري وحده، وإنما قتل ثلاثة وثمانون جنديا، وقتل الليوتنان دونوكس، والليوتنان أليكساندروف، وقتل ثلاثون من المجندين المغاربة والجزائريين.
وبقي الجبل رافضا للعلم الفرنسي، وأنهت الوثائق الفرنسية سردها قائلة: ((رغم هزمنا لهم، بقي الثوار المغاربة مسيطرين على الأطراف الغربية، جرحوا لنا في معركة 10 شتنبر خمسة جنود، وقتلوا لنا في هجوم مفاجئ يوم 11 شتنبر في منطقة الأرز، الليوتنان أنطوان، وجرحوا لنا أربعة مغاربة بينهم ضابط آخر)).
وننتقل إلى منطقة أخرى من هذه المناطق الأطلسية، التي كانت قبيلة أيت حديدو تتحدى فيها الوجود الفرنسي عشرين عاما بعد الاحتلال الفرنسي للمغرب، وبرهنت بذلك للعالم أجمع، وكان يتناقل أخبارها، أن فرنسا لم تدخل إلا بعض المناطق المغربية.
إنه لا بد من أن نضع في حسابنا أن القوات الفرنسية غيرت من أساليبها وتنظيمها في المغرب بعد عشرين عاما عن إمضاء وثيقة الحماية، وأسست جيشا عرمرما من رجال القبائل المغاربة المجندين، الذين يعرفون المناطق لأنها مناطقهم، والذين فرق الدم المراق في صفوفهم، وهم في الجانب الفرنسي، وبين إخوانهم الذين استمروا في الجهاد، وهو عنصر أساسي ترك الفرنسيين يرمون بالمجندين المغاربة – وكانوا يسمونهم “لي بارتيزان” ويسميهم المغاربة بالدارجة “برطيزا” – واستعملوهم ضد الحركات التحريرية المغربية في البوادي، وضد المظاهرات في المدن.. حتى أصبح المغاربة ينظرون إليهم نظرة عداء وكراهية.
هؤلاء المجندون، هم الذين أوكلت إليهم فرنسا مهمة احتلال المناطق الصعبة دون نتيجة، ونحن هنا في منطقة قريبة من الأطلس، جنوب تادلة، نعد القتلى الفرنسيين ومجنديهم سنة 1932 وسنة 1933.



